إنتقال للمحتوى


ابحث في موقع الدرر



موقع معرفة الله
موقع ابو بكر الصديق رضي الله عنه
موقع السيده عائشه رضي الله عنها

Twitter FaceBook تسويق التحديثات الجديدة

رسائل محب صور عديدة فى التحايل على الزكاة من أفضل التطبيقات الرائعة والمفيدة للهواتف الذكية (اندرويد) مثل محقرات الذنوب يا كل ملتزم ويا كل ملتزمة احذروا ذنوب الخلوات .. مقطع مؤثر جداااا برامج التصميم برابط واحد داعمة للعربية تمبلر نصرة رسول الله
صورة
* * * - - 1 صوت

حقيقة الحياه الدنيا


18 رد (ردود) على هذا الموضوع

#1 أخــ نورعيني ــوكم

أخــ نورعيني ــوكم

    نور عيني يا رسول الله

  • فرسان لهم بصمات
  • 2,223 مشاركة
  • الجنس:ذكر
  • الدولة:كل بلاد الإسلام أوطاني
  • الهوايات:• القراءة
    • الشعر
    • الإنترنت
    • رياضة المشي

تاريخ المشاركة 16/03/2009 - 01:02 ه


السلام عليكــم ورحمـة الله وبركاتــه ،،

الموضوع منقول من موقع الإعجاز العلمى فى القرآن والسنة http://www.55a.net/f...rabic/index.php

والموضوع للكاتب ( هارون يحيى ) كاتب تركى يكتب تحت إسم مستعار وله العديد من الكتب والمقالات غايه فى الروعة والجمال يتميز إسلوبه بالبسيط والسهل الممتع لأنك تجده يخاطب قلبك وعقلك بإسلوب يفهمه المثقف والإنسان العادى .

وله العديد من المواقع الإلكترونيه ويقدم خدمات كثيرة تحميل كتب بالمجان . وتوفر المواقع العديد من اللغات .
وجل الكتب تتحدث عن وحدانية الله سبحانه وتعالى . وهذا رابط موقع له http://www.harunyahya.com/arabic/
ورأيت أن الكثير لا يعرف عنه شيئا .

فأردت أن أخبركم عنه وأخترت لكم هذا الموضوع وهو حقيقة الحياه الدنيا . وتقبلوا خالص تحيتى
وإليكم بالجزأ الأول من الموضوع

حقيقة الحياة الدنيا :

تأمل صورة هذا الرجل الذى يقدر عمره بسبعين عاما. ترى ماذا يدور في خلده حول الأيام التي مضت من عمره؟
هذا وغيره من الناس من الذين عاشوا قرابة سبعين أو ثمانين عاما يصابون بالدهشة والاستغراب ويتساءلون في أنفسهم: كيف مرت كل هذه الأعوام الطويلة بهذه السرعة دون أن يشعروا بها؟ بل سيقولون لك :"لم أفهم شيئا يذكر من هذه الحياة التي مرت في لمح البصر"!.
وعندما كان هذا الرجل في العشرين من عمره وفي ريعان شبابه لم يكن يتصور أبدا أن يد الشيخوخة سوف تطاله في يوم من الأيام ولم يدر ذلك في خياله.
ولو طلبنا من هذه الرجل أن يلخص لنا كتابة حياته التي عاشها فسوف يقول لك: "أجل!… لقد مرت كل هذه الأعوام في لمح البصر و إذا أردت مني أن أدونها لك فلا أستطيع سوى كتابة خمسة أو ستة أسطر, أو إذا أردت فيمكن أن أتكلم عنها لمدة ست ساعات. . . هذا كل ما في الأمر"!.
إن الشخص الذي عاش في خضم كل هذه الأعوام ستتبادر إلى ذهنه بعض الأسئلة المهمة:
- ما غاية هذه الحياة التي مرت كلمح البصر؟
- لأي غاية عشت هذه الأعوام السبعين؟
- حسنا!. . . ماذا سيحدث بعد الآن؟
لاشك بأننا سنسمع رأيين مختلفين لو طرحنا هذا السؤال على مجموعتين من الناس. المجموعة الأولى هي المجموعة غير المؤمنة بالله والمجموعة الثانية هم الأشخاص الذين يؤمنون إيمانا صادقاً لا يعتريه الشك بوجود الله. إن إجابة أي شخص من المجموعة الأولى -على الأغلب - ستكون كالأتي:
" لقد مرت معظم سنين حياتي لغايات تافهة وفارغة, فلم أفهم بوضوح لأي غاية عشت هذه السنين السبعين. بداية كنت أعيش من أجل أمي وأبي ومن ثم من أجل زوجتي ومن ثم لأجل أولادي. . . أما الآن فإن الموت بدأ يقترب مني وسأرحل قريبا عن هذه الدنيا. . . وماذا بعد ذلك؟. . . ماذا سيحدث بعد ذلك؟ لا أدري. . . ولكن بالتأكيد سينتهي كل شيء. "
إن أسباب هذا الفراغ الذي يقع فيه أمثال هؤلاء هي عدم إدراكهم غاية خلق جميع الموجودات والأحياء, وهذه الغاية هي وراء خلق جميع هذه الكائنات. إن الإنسان العاقل الذي إذا ألقى نظرة من حوله سيدرك أن هذا النظام المدهش والفريد من نوعه الذي يحيط به قد أوجده وصوره خالق ينفرد بعلم لانهائي وبقدرة غير محدودة. إن عدم ظهور هذه الموجودات والكائنات بشكل اعتباطي أو عشوائي أو نتيجة مصادفات، بل ضمن مخطط زمني منظم غاية النظام يجسد الغاية التي خلقت من أجلها. وإن هذه الغاية قد دلنا عليها رب العالمين من خلال كتابه العزيز وهو القرآن الكريم المرسل هدى للناس أجمعين.
إن الشخص المؤمن بالله عز وجل والذي يضع نصب عينيه هذه الحقائق سيجيب على هذه الأسئلة السابقة بصورة صحيحة وسيقول:
" لقد خلقني الله رب العالمين وأرسلني إلى هذه الدنيا, وكلفني أن أقضي هذه المدة في العبودية له وبأحسن وجه, وقد أختبرني لهذا الغرض وأمتحنني. وكنت أعلم مسبقا بأن هذه الحياة قصيرة وزائلة وستمر في لمح البصر, لذا بذلت جهدي لكي أكون عبداً مطيعاً لا ينخدع بمباهج هذه الحياة الفانية وبملذاتها.
ثم تسألني: ماذا بعد ذلك؟… لقد حاولت طوال حياتي أن أكون عبدا صالحا أقوم بجميع ما أمرني الله به على أكمل وجه، لأن طموحي وأملي كان هو الفوز بالسعادة الأبدية بالدخول إلى الجنة، والفوز بها. وأنا انتظر بفارغ الصبر اليوم الذي أمثل فيه أمام رب العالمين".
ولاستعراض الفرق بشكل أفضل بين هاتين المجموعتين التي ورد ذكرهما أعلاه يستحسن أن نركز على هاتين النقطتين:
إن إيمان أكثرهم بوجود الله لا يمثل الإيمان الحقيقي, فكثير منهم يؤمنون بوجوده ولكنهم لا يدركون الأهمية الكبرى لهذه الحقيقة العظمى, فالفكرة الباطلة والسائدة بين أغلبية الناس هي أن الله خلقهم وتركهم يتصرفون كما يحلو لهم، وترك حبلهم على غاربهم. وقد نبه القرآن المنزل لإرشاد الإنسانية إلى أنه عندما يطرح سؤال من خلق السماوات والأرض على الناس لأجابوا: الله. ولكنهم مع هذا لا يستفيدون من هذا ولا يعتبرون.
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ والأرض لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (لقمان 25)
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فأنّى يُؤْفَكُون وَقِيلِهِ يَارَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ (زخرف 87)
لهذا فإننا نرى في حياتنا اليومية أن انقياد هؤلاء البشر إلى هذا التفكير الخاطئ قد أدى إلى انعدام تواصلهم الروحي مع الله تعالى، وهم يحسبون أنهم قد تحلوا بصفات حميدة في الحياة الدنيا ستكون كفيلة بأن تأخذ بأيديهم إلى الجنة بعد أن يقضوا فترة قصيرة من الزمان في عذاب جهنم. وبجانب هذا فإن هناك قسماً كبيراً يعتقدون بأن الله خلق لهم هذه النعم وأنه يجب أن يتنعموا بها إلى أقصى حد ممكن دون أي اعتبارات أخرى. وبمثل هذا المنطق الناقص والتفكير الساذج يستمرون في ممارسة حياتهم اليومية بشكل عادي دون الالتفاف إلى حكمة وغاية هذه النعم الربانية. ولكن الحقيقة عكس هذا بالتأكيد، لأن هؤلاء الذين نسوا الله يعيشون في الحقيقة في غفلة كبيرة وعميقة وهذا ما أشار إليه الله في كتابه العزيز:
يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنْ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنْ الآخرة هُمْ غَافِلُونَ (الروم 7)
فمثل هؤلاء البشر الذين يعيشون في غفلة تامة لا يدركون حقيقة هذه الحياة، ولا ماهيتها حق الإدراك, ولا يخطر على بالهم بأن هذه الحياة قصيرة جداً لدرجة إنها تمر كلمح البصر. ويمكن أن ندرك هذه الحقيقة إن أجلنا طرفنا فيما حوالينا. ومن المفارقات الغريبة أننا كثيرا ما نسمع من الذين يتندرون بإطلاق بعض الأمثال الشعبية المعروفة والتي تشير إلى تفاهة هذه الحياة وزوالها منها:
(دنيا فانية ). . . أو ( آه من هذه الدنيا الزائلة ). . . . أو (ماحدش واخد منها حاجة) !!. . . . إلخ
ولكن عندما نمعن النظر في هذه العبارات نرى أنها ليست في الحقيقة سوى عبارات وشعارات جوفاء لا تعكس وجهة نظرهم الحقيقية. لأن مثل هذه العبارات ما هي إلا عبارات شعبية مأثورة يتداولها الناس فيما بينهم دون فهم صحيح لمدلولاتها ولا لمعانيها الحقيقية. والغريب أنه بعد طرح عبارات مثل: "دنيا فإنية" أو "كم مرة يعيش الإنسان؟". . . . نرى تكملة لهذه العبارات إجابات تنم عن منطق ضحل مثل: "لذا علينا أن نعيش هذه الحياة بشكل مكثف ولا نهدر هذه الفرصة".
ولكن كون هذه الحياة قصيرة وفانية والموت هو نهايتها الحتمية، والإنسان يأتي إليها لمرة واحدة فقط. كان من المفروض أن يعد هذا الأمر من أهم الحقائق بالنسبة إلى الإنسان. قد لا ينتبه معظم الناس إلى هذه الحقيقة إلا بعد أن يصلوا إلى عمر متقدم. ولكن ما أن ينتبهوا إليها عليهم أن يراجعوا أنفسهم ويعيدوا النظر في طراز حياتهم فينظمونها من جديد وحسب مرضاة الله وما يريده منهم. إن الحياة قصيرة ولكن الروح يظل بمشيئة الله -خالدا إلى الأبد. وماذا تعني حياة قصيرة أمدها بين ستين إلى سبعين عاما بجانب الحياة الأبدية التي ليست لها حدود؟!!.
أليست من الحماقة أن يضحي الإنسان بكل شيء من أجل متعة قصيرة وفانية؟.
ولكننا نرى أن المنكرين يسعون طوال حياتهم من أجل غايات فارغة وتافهة ويستنفدونها في سبيل هذه الأهداف الفارغة ناسين الله تعالى. وعلى الرغم من كل هذا فإنهم لا ينجحون– في الغالب- في تحقيق هذه الغايات الفارغة رغم كل هذا الجري واللهاث لأن نفوسهم لا تشبع بل هي جائعة على الدوام. لأنهم وببساطة يطلبون المزيد ثم المزيد ولا يكتفون ولا تشبع نفوسهم أبداًَ. فإذا وصلوا إلى غاية ما تراهم يحاولون الوصول إلى غاية أكبر منها. ولأنهم إن حصلوا على وضع أو مرتبة ما يحاولون الوصول إلى مرتبة أعلى، ثم مرتبة أعلى. . . وهكذا يقضون حياتهم في الجري لإشباع رغباتهم التي لاتعرف الشبع حتى يدركهم الموت. إنّ رغباتهم في الحصول على الشهرة والمال والمتعة تظل ناقصة بالمعايير الدنيوية, لأنه ستظهر أمامهم بالتأكيد أشياء أحسن مما موجود لديهم.
فعلى سبيل المثال نرى أحدهم يحلم دوما باقتناء إحدى السيارات ذات الطراز الرياضي الحديث, فنراه بعد محاولات كثيرة وصعبة يحصل على هذه السيارة الغالية ويحقق حلمه هذا الذي طالما سعى لتحقيقه. ولكن ماذا نرى؟ لقد ظهرت وستظهر أنواع أخرى من هذه السيارات التي تحتوي على ميزات أحسن وأفضل وأحدث. أو لنفكر في شخص قد قضى زمنا طويلا في جمع النقود اللازمة لشراء بيت طالما حلم أن يقتنيه ويعيش فيه. ولكننا نراه بعد تحقيقه لحلمه واقتنائه ذلك البيت بعد كل هذا التعب والعناء- يصادف بيتا آخر أجمل بكثير من بيته, فنراه وقد تملكه الإحباط والحزن، وبدأ بيته يفقد في نظره جاذبيته السابقة. بالإضافة إلى الألم الذي ينتاب الذين يرون ما يعتري ممتلكاتهم من اندثار بسبب القدم وما تجريه السنوات عليها من آثار سلبية.
إن التقدم العلمي المدهش يقدم للإنسان دوما أجهزة أحدث وأجمل وأحسن، فتفقد ما لدى هؤلاء من هذه الممتلكات رونقها وجاذبيتها وتبدو قديمة في أعينهم. ويستمرون طوال حياتهم في الدوران في هذه الدائرة المفرغة فلا تسكن نفوسهم أبدا ويظلون في لهاث دائم للحصول على الأجمل وعلى الأحسن. . وبعد الحصول عليه يعتق هذا الشيء عنده ويفقد قيمته فيبدأ البحث عن الجديد مرة أخرى، وعن الأجمل. . . هذه هي الدائرة المفرغة التي عاش فيها الإنسان طوال التاريخ. لذا فإن الإنسان العاقل يجب أن يقف وأن يراجع نفسه في هذا الأمر ويعلم أن هذا الجري الأعمى لن يؤدي إلى نتيجة وان يقول لنفسه:
" لا بد وأن هناك خطأ كبيراً في هذا الطراز من التفكير".
لكن نرى مع الأسف أن أغلبية الناس لا يملكون مثل هذا المنطق ويظلون يجرون وراء أحلام وخيالات لا يمكن أن تتحقق, بينما لا يستطيع أحد منا أن يضمن حياته حتى لبضع دقائق قادمة فالتعرض إلى حادثة سيارة، والتحول إلى شخص معاق، أو التعرض حتى للموت من الأمور السهلة والاعتيادية. والشخص الذي يتذكر الموت للحظة واحدة يدرك تمام الإدراك أنه عندما يثوى في قبره فلن يجديه نفعاً لا المال ولا الأولاد ولا المنصب أو الجاه ولا أي شخص من الأشخاص الذين كانوا موجودين حواليه. وسواء أكان غنياً أم فقيراً, جميلاً أم قبيحاً، فكل إنسان سيلف ببضعة أمتار من الكفن ويدفن في القبر.
لهذا فإن هذا الكتاب سيتناول عدم أمان هذه الدنيا الفانية التي لا تعطي الضمان لأي إنسان، والتي تمر كلمح البصر، مشيرا إلى أنها حياة خادعة تغر الإنسان، وذلك بنشر جميع أسرارها أمام أعينكم. لهذا فإن الله أو صى المؤمنين أن يحذروا الناس جميعا وينذروهم وأن يطرحوا أمامهم هذه الحقائق. كذلك فقد أمر الله جميع البشر ألا ينخدعوا بهذه الحياة الدنيا وأن يطيعوا أوامره, وهو في هذه الآية يحذر الناس:
يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ(فاطر 5)

تم تعديل هذه المشاركة بواسطة نور عينى: 16/03/2009 - 02:59 ه

  • 0

صورة



أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم و أتوب إليه


#2 أخــ نورعيني ــوكم

أخــ نورعيني ــوكم

    نور عيني يا رسول الله

  • فرسان لهم بصمات
  • 2,223 مشاركة
  • الجنس:ذكر
  • الدولة:كل بلاد الإسلام أوطاني
  • الهوايات:• القراءة
    • الشعر
    • الإنترنت
    • رياضة المشي

تاريخ المشاركة 16/03/2009 - 01:05 ه

بنائا على ملحوظة أخى فى الله محمد منى تم تعديل الموضوع ليكون سهل فى القراءة والمتابعة :

جزاه الله عنا كل خير . وشكرا على المتابعة .

الجزأ الثانى من الموضوع .

حقيقة الحياة الدنيا :

الحياة الدنيا
إن الكون من حولنا موجود ضمن نظام دقيق، وتناغم فريد. وهو يضم 300 مليار مجرة وكل مجرة منها تحتوي في المعدل على 300 مليار نجمة. ويتجلى النظام المدهش الموجود في الكون في أن هذه المجرات والنجوم والكواكب والأقمار تدور حول نفسها من جهة، وتدور ضمن نظامه الفلكي في مدارات معينة من جهة أخرى. ولا يمكن بأي حال من الأحوال تفسير نشوء كل هذا النظام الرائع والترتيب المذهل، والحساب الدقيق عن طريق المصادفة.
وبالإضافة إلى هذا فإن أخذنا بنظر الاعتبار سرعة الكون فإن أمر النظام والتصميم البديع يأخذ أبعادا لا يصدقه العقل البشري, فأوزان النجوم, والكواكب, والمجرات وعناقيد المجرات والتي تصل أوزانها إلى البلايين وملايين البلايين من الأطنان تتحرك في الفضاء بسرعات مدهشة. فالأرض مثلاً تدور حول محورها بسرعة تصل إلى 1670 كم /ساعة وتدور حول الشمس بسرعة 108000 كم/ساعة, بينما تدور المجموعة الشمسية حول مركز المجرة بسرعة تصل إلى 720000 كم/ساعة. كذلك تتحرك مجرة درب التبانة- أي مجرتنا- في الفضاء بسرعة تصل إلى 950000كم/ساعة.
إن استمرار هذه الحركة والتي لا تعرف السكون وبهذه السرعة تجعل كلا من الأرض والشمس تبتعد كل سنة عن موقعهما في السنة الماضية بنحو500 مليون كم! لذلك فنحن نعيش فوق أحد هذه الأجرام السماوية التي تتحرك بسرعة فلكية مخيفة. وبالإضافة إلى هذا فإن كوكبنا يعد كوكباً صغيراً وعادياً فيما إذا قورن مع بقية الكواكب الموجودة في هذا الكون الواسع المترامي الأطراف.
إن هذه الدرجة التي لا تصدق من الدقة في التوازن الموجود في نظام الكون تشير إلى حقيقة لا مفر منها وهي, أن حياتنا على كوكبنا الأرضي مرتبطة بقيد شعرة!. لأن الأجرام السماوية إذا تزحزحت أو تحركت أو انحرفت ببضع ميليمترات فقط خارج أفلاكها فإنه من الممكن أن تتولد نتائج وخيمة تجعل الحياة فوق كوكبنا مستحيلة. لقد كان من الممكن حدوث حوادث اصطدامات مروعة ضمن هذا القدر الكبير من السرعات المختلفة وهذا القدر الكبير من التوازن الموجود داخل هذا النظام, ولكن الحياة لا تزال مستمرة على كوكبنا، ولا زلنا مستمرين في العيش مما يشير إلى أن احتمال وقوع الكوارث فيه أمر نادر, فالنظام فيه مستمر ويسير دون أي خلل أو اضطراب. ونحن البشر نعيش على هذا الكوكب ونستمر في هذا العيش بأمان من دون أي قلق دون أن نشعر حتى بسرعة دوران الأرض.
أكثر الناس لا يفكرون كثيرا في كيفية استمرار هذه الحياة على الأرض، ونظرا لأنهم لا يفكرون، فهم لا يدركون أن حياتهم مرتبطة في الحقيقة بتوفر شروط غير اعتيادية تفوق الخيال. ولا ينتبهون إلى هذه الحقائق, لذا نرى أن أغلبية الناس الذين يعيشون على هذا الكوكب لا يدركون لأي غاية محددة خلق هذا الكون, فهم يستمرون في حياتهم دون أن يعبئوا كثيرا بسبب ولا بغاية وجودهم على هذا الكوكب ولا يعيرون أي اهتمام إلى هذه الدرجة العالية من التوازن والنظام العجيب الموجود في كل زاوية من زوايا هذا الكون العظيم. بينما العقل و التأمل هو الذي يجعل الإنسان إنساناً ويميزه عن باقي المخلوقات وهو أثمن العطايا التي منحها الله لبني البشر. والإنسان الذي لا يفكر ولا يستخدم ملكة العقل عنده لا يمكن أن يصل إلى الحقائق حول العديد من الأمور مثل: لماذا ولأي سبب يعيش الإنسان؟ لماذا خلقت الدنيا؟. ومن قبل من وضع كل هذا النظام الرائع في الكون. إن الشخص الذي إذا فكر واستوعب ما استعرضناه آنفا سيصل إلى الحقيقة التي ستسطع أمامه كالنور ومفادها:
أن الكون الذي نعيش فيه والذي يحوي كل هذا التوازن الحساس قد أو جده خالق يملك علما لا حد له, وأن كرتنا الأرضية رغم صغرها مقارنة مع بقية الكواكب قد خلقت لغايات كبرى, ولا يوجد أي عبث في شأن من شؤون الإنسان. ولو تأملنا الكون من حولنا بدقة لوجدنا أن في كل ركن من أركانه دليلا قوياً على وجود خالق يمتلك قوة ً وعلماً لا نهائيين قد خلق الإنسان لغايات معينة ولم يتركه على هواه يفعل ما يشاء, وقد ذكر الله في كتابه المنزل على الرسول صلى الله عليه وسلّم الغاية من وجود الإنسان على الأرض، فيقول:
الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ( سورة الملك 2)
إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (سورة الإنسان 2)
وقد أخبرنا القرآن الكريم بأن الله لم يخلق أي شيء على الأرض عبثا من دون غاية.
وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَأتخذنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (سورة الأنبياء 16-17)

كل شيء في الطبيعة يتعرض إلى التلف مع الزمن. وهذه هي حقيقة الحياة الدنيا.
ماهية الدنيا
لقد خلق الله حياة الدنيا ليختبر فيها الإنسان ويمتحنه ولكي يرى أيهم سيتحلى بالأخلاق الحميدة ويبدي له إخلاصاً حقيقياً وعبودية كاملة. بمعنى آخر, فإن هذه الدنيا هي دار امتحان للتمييز بين الإنسان الذي يجتنب معصية الله وبين من يجحد به. ففي دار الامتحان هذه والتي تحوي القبح والجمال, الكمال والنقصان معا يمتحن العبد ضمن نظام لا يعتريه أي نقص. فالإنسان يمكن أن يظهر إيمانه بأن يسلك طرقا متنوعة في هذه السبيل, وفي النهاية فالذين يؤمنون بالله إيمانا لا يعتريه الشك أو التردد سيتميزون عن الملحدين والمنكرين وسيصلون إلى بر النجاة. وقد بين القرآن الكريم هذه الحقيقة في قوله:
أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُون وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فليعلمن اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِين ( سورة العنكبوت 2-3)
ولكي نفهم ماهية هذا الامتحان, بداية يجب أن نتعرف بصورة جيدة على خالق ومدبر هذا الكون, فهو الله خالق السماوات والأرض وما بينهما من العدم، والذي يحتاج إليه كل كائن وكل موجود, بينما هو تعالى المنزه عن النقص لا يحتاج إلى أحد, وهو خالق الإنسان من العدم قد أنعم عليه نعماً لا تعد ولا تحصى.
فليس بمقدور الإنسان أن ينظم بنفسه الفعاليات الحيوية العديدة داخل جسمه كعملية السمع والبصر والمشي وعملية التنفس. . . إلخ, ومع أن الإنسان لم يستطيع أن يدرك حق الإدراك كيفية عمل هذه الأعضاء والأجهزة فإن الله قد شكلها وصورها ووضعها في جسمه, ومقابل كل هذه النعم فإن الله لا يطلب من عبده سوى الإخلاص له في العبودية. ولكن وحسب ما تذكر العديد من الآيات نرى أن الكثير من البشر يتميزون بخاصية الجحود والظلم، فبدلاً من أن يشكروا ربهم ويحمدوه ويخضعوا له تراهم ينسون هذا ويتصرفون بكل ظلم وجحود ويتعدون الحدود الموضوعة أمامهم، متوهمين بأنهم يمتلكون قوة كبيرة, وبأنهم لن يفارقوا هذه الدنيا إلا بعد زمن طويل. لهذا السبب فإن غايتهم الوحيدة تكون متوجهة فقط لهذه الحياة الدنيا. فهم يتناسون الموت ولا يقومون بإعداد أنفسهم بأي شكل من الأشكال لما بعده, فشغلهم وشاغلهم هو أن يوفروا لإنفسهم حياة أفضل, وأن يستمتعوا بجميع اللحظات التي يعيشونها إلى أقصى حد ممكن، وأن يشبعوا جميع أهوائهم ورغباتهم.
وقد ذكر الله في آياته الكريمة حول مدى ارتباط الإنسان بهذه الدنيا بقوله:
إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (سورة الإنسان- 27)
ويغيب عن بال معظم هؤلاء المنكرين والذين يلهثون وراء هذه الدنيا سر في غاية الأهمية, إلا وهو الانقضاء السريع لهذه الدنيا. وهذا موضوع ينساه الوالهون بالدنيا ولا يفكرون فيه ويحاولون تناسيه ما استطاعوه إليه سبيلا ً.
ولكن مهما حاولوا فلن يستطيعوا الفرار من هذه الحقيقة.
بضع ثوانٍِ أم بضع ساعات؟
دعنا نفترض بأنكم في يوم عطلة وأنكم- وبعد رحلة دامت ساعتين- وصلتم إلى القرية السياحية التي طالما حلمتم بالذهاب إليها, حيث المكان يعج بالزوار من حولكم. وفي صالة الانتظار التقيتم ببعض الأصدقاء وبعد تبادل التحيات معهم توجهتم إلى غرفتكم ولكي لا تضيعوا المزيد من الوقت أسرعتم في تغيير ملابسكم وانطلقتم إلى ساحل البحر. و إذا بمياه زرقاء صافية تمتد أمامكم, وساحل رملي يشع مثل الذهب, والجو الحار يدعوكم لكي تستعجلوا في النزول إلى البحر, وبدأتم بالسباحة, وفجأة سمعتم صوتا يقول لكم "انهض ! لقد بلغت الساعة الثامنة صباحا". ولكنكم لم تفهموا شيئا، ولم تعطوا تفسيرا لهذا الصوت. وفي تلك اللحظة ستحاولون أن تجدوا حلقة وصل بين ما تسمعونه وبين المكان الذي أنتم فيه. في النهاية بدأتم تفتحون أعينكم شيئا فشيئا وتستردون وعيكم, و إذا بجدران غرفتكم تتراءى أمام ناظركم. . . آه!. . . لقد كان ذلك حلما إذن!! وفعلا وبعدما أفقتم أدركتم أن كل ما رأيتموه كان عبارة عن حلم جميل. ولكن كيف؟!. . . . يا الهي!. . . لقد كان كل شيء حقيقيا إلى أبعد الحدود!. . . . لقد أمضينا قرابة الساعتين في الطريق إلى القرية السياحية ولقد التقينا العديد من المعارف والأصدقاء في تلك القرية السياحية, وكذلك كان هناك ذلك الساحل الجميل والبحر الجميل, وماذا أقول عن ذلك الجو؟ ذلك الجو الذي كان رائعا بل وما زلت أشعر بحرارته في جسمي على الرغم من الطقس الشتوي السائد حولي وأنا أحاول القيام من الفراش. . . . أنه شيء محير حقاً.
إذن فعلى الرغم من تخيلكم بأنكم قضيتم فترة طويلة, إلا أن هذا الزمن الطويل المتخيل لم يكن سوى ثوان معدودات مرت بكم في الحلم. ومهما حاولتم إثبات عكس هذا, ففي النهاية يجب القبول بالحقيقة الواقعة.
ومثل هذا الذهول والدهشة هو ما سيصيب المنكرين الذين يأتون إلى الآخرة بعد الانقضاء السريع لحياتهم الدنيوية بعد ما خدعتهم هذه الحياة القصيرة وظنوا بأنهم ماكثون فيها ألف عام. بل إن البعض منهم كان يخيل إليه أنه سيعيش فيها آلاف السنين. ولكن بعد بعثهم وحشرهم بعد الموت سيدركون بأن حياتهم الدنيا كانت قصيرة جدا.
وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم بقوله:
قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأرض عَدَدَ سِنِينَ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أو بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلْ الْعَادِّين قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إلا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنتُم ْتعلَمُون أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (سورة المؤمنون 112– 114)
وسيحسب الذين عمروا في الدنيا عشرة أعوام أو مائة عام بأنهم لم يلبثوا فيها سوى يوم واحد فقط. تماما مثل الشخص الذي ينتبه من نومه بعد حلم طويل فيكتشف أن ما رآه من حلم حول عطلة طويلة كان عبارة في الحقيقة عن عدة ثوان فقط. . بل ستبدو هذه الحياة التي عاش سنواتها طولاً وعرضاً وبكل حرص وتشبث بها وتمسك بأهدابها. . . ستبدو له وكأنها كانت عبارة عن ساعة واحدة فقط، وهو مستعد لأن يقسم ويحلف على هذا:
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ (سورة الروم 55)
فكما هو معلوم لدى الجميع وبصورة أكيدة أن الحياة الدنيا محدودة يمكن أن تمتد إلى بضع ساعات أو إلى يوم واحد أو إلى أسبوع أو إلى ثلاثين عاما أو إلى سبعين عاماً. وككل شيء محدود فإنها ستنتهي في يوم من الأيام . لذا فإن الشخص الذي يعيش 80 عاما أو حتى 100 عام, فإن كل يوم يمر من عمره هذا يعني اقترابه شيئاً فشيئاً من النهاية المحتومة والتي لا مفر منها على الإطلاق. ويعرف كل واحد منا أمثلة على هذا من حياته. فكم من خطة طويلة الأمد رتبتها في حياتك ثم إذا بك ترى أن المدة الطويلة قد انقضت تماما، وعندها نلتفت إلى الوراء ونقول: " رباه. . . كيف انقضت كل هذه المدة بهذه السرعة ؟ ".
لنأخذ مثالاً آخر ولنتصور في ماذا يفكر الشاب وهو يخطو خطواته الأولى في مرحلة الثانوية. فعندما كان في الصف الأول ثانوي فإنه يتصور بأن بلوغ المرحلة الأخيرة من الثانوية حلمُ بعيد المنال ولن يأتي, وأن أمامه مشوارا طويلا. ولكننا نراه ينهي الثانوية ويدخل الجامعة ويتخرج حتى يكاد لا يتذكر ما كان يفكر به أيام السنة الأولى من الثانوية لأنه في هذا الوقت لديه خطط أخرى يفكر في إنجازها, فربما يخطط للزواج بعد عدة أشهر وهو يجر تلك الأيام ويرى إنها لا تنتهي ويستبطئ وصول ذلك اليوم الموعود. ولكن ذلك اليوم سيأتي أيضاً وسينقضي أيضاً وبدون أن يشعر تأخذ ه دوامة الحياة فلا يرى نفسه إلا وقد أصبح أبا وجدا له أبناء وأحفاد، و إذا به قد أصبح رجلا مسناً وشيخاً. . . . إذن فقد أو شك العمر على الأنتهاء، ولم يبق على موعد اللقاء مع ذلك اليوم الكبير سوى بضعة أعوام، وربما بضعة أسابيع بل ربما بضع دقائق. . . من يدري؟.
هذا علماً بأن الله قد وضح لنا منذ فجر التاريخ حقيقة كون هذه الحياة مجرد محطة انتقالية ومؤقتة وقصيرة نمر من خلالها إلى الدار الحقيقية، إلى دار الإقامة الدائمة وهي دار الآخرة التي هي "دار المقام". وشرح لنا عن طريق الوحي جميع التفاصيل المتعلقة بالحياة الخالدة في الجنة وفي جهنم. وعلى الرغم من كل هذا نجد الإنسان يوجه جلّ اهتمامه لهذه الدنيا القصيرة محاولا إشباع نزواته وأهوائه وشهواته. ولكن لو حاول الإنسان أن يستوعب الأمر بجميع تفاصيله وأن يحكم العقل والمنطق لوجد أنه لا وجه للمقارنة بين حياة أبدية ونعم لا تزول وعدنا بها رب العالمين وبين هذه الحياة القصيرة الفانية, وأن عليه أن يعمل من أجل الفوز بالجنة وما تحويها من نعم لا مثيل لها, حيث فيها لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطرت على قلب بشر. وهذا يتم عندما يكون توجهه خالصا إلى الله.
أما الذين لا يفكرون في هذه النهاية ولا يرون بأنها واقعة بهم, فإنهم ولاشك سيستحقون العذاب الذي أعدّه الله لهم, حيث ذكر الله في قرآنه الكريم النهاية المحتومة لهؤلاء البشر الذين يهربون من أداء العبودية لرب العالمين في قوله:
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلا سَاعَةً مِنْ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَد خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِين َ ( يونس 45)
فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أو لُوا الْعَزْمِ مِنْ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إلا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ ( الأحقاف 35)

تم تعديل هذه المشاركة بواسطة نور عينى: 16/03/2009 - 03:13 ه

  • 0

صورة



أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم و أتوب إليه


#3 زائر_محمد منى_*

زائر_محمد منى_*
  • الزوار

تاريخ المشاركة 16/03/2009 - 01:10 ه

السلام عليكــم ورحمـة الله وبركاتــه ،،

الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين


جزاك الله خيراً : أخي الكريم

و بارك الله بك


بصراحة لم أقرأ موضعك كاملاً( قرأت بدايته)


منعاً للإطالة و كفائدة أكبر لما لا تجعل الموضوع على مراحل( سلسلة )

فأنت تعلم أن القارىْ يمل من الموضوع الطويل


ولو سمحت ممكن تكبر الخط قليلاً

وفقك الله
  • 0

#4 أخــ نورعيني ــوكم

أخــ نورعيني ــوكم

    نور عيني يا رسول الله

  • فرسان لهم بصمات
  • 2,223 مشاركة
  • الجنس:ذكر
  • الدولة:كل بلاد الإسلام أوطاني
  • الهوايات:• القراءة
    • الشعر
    • الإنترنت
    • رياضة المشي

تاريخ المشاركة 16/03/2009 - 02:42 ه

السلام عليكــم ورحمـة الله وبركاتــه ،،

الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين


جزاك الله خيراً : أخي الكريم

و بارك الله بك


بصراحة لم أقرأ موضعك كاملاً( قرأت بدايته)


منعاً للإطالة و كفائدة أكبر لما لا تجعل الموضوع على مراحل( سلسلة )

فأنت تعلم أن القارىْ يمل من الموضوع الطويل


ولو سمحت ممكن تكبر الخط قليلاً

وفقك الله



شكرا على مرورك الطيب .

إن شاء الله سأعدل فى الموضوع بارك الله فيك على ملحوظتك الغاليه . تقبل الله منا ومنك
  • 0

صورة



أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم و أتوب إليه


#5 أخــ نورعيني ــوكم

أخــ نورعيني ــوكم

    نور عيني يا رسول الله

  • فرسان لهم بصمات
  • 2,223 مشاركة
  • الجنس:ذكر
  • الدولة:كل بلاد الإسلام أوطاني
  • الهوايات:• القراءة
    • الشعر
    • الإنترنت
    • رياضة المشي

تاريخ المشاركة 16/03/2009 - 03:54 ه

السلام عليكــم ورحمـة الله وبركاتــه ،،
أخوتى فى الله تم تعديل الموضوع وتقسيمه إلى إحدى عشر جزأ . وسأوافيكم بإذن الله تباعا الأجزاء المتبقيه .

تم عرض جزئين الأول والثانى .

ولى رجاء منكم

الدعاء لى بظهر الغيب .

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين حبيب قلوبنا ونور عينى المصطفى صلّ الله عليه وسلم
  • 0

صورة



أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم و أتوب إليه


#6 درة الشرق

درة الشرق

    بغــــــــــــــــ لـــؤلــؤة ـــــــــــداد

  • المشرفين الإداريين
  • 24,070 مشاركة
  • الجنس:أنثى
  • الدولة:بلد العزة والكرامة
  • الهوايات:الادب والشعر

تاريخ المشاركة 16/03/2009 - 06:28 ه

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين
جزاك الله خيرا اخي الفاضل على مجهودك
لاحرمت الاجر
  • 0



صورة


صورة



#7 أخــ نورعيني ــوكم

أخــ نورعيني ــوكم

    نور عيني يا رسول الله

  • فرسان لهم بصمات
  • 2,223 مشاركة
  • الجنس:ذكر
  • الدولة:كل بلاد الإسلام أوطاني
  • الهوايات:• القراءة
    • الشعر
    • الإنترنت
    • رياضة المشي

تاريخ المشاركة 18/03/2009 - 05:28 ص

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين
جزاك الله خيرا اخي الفاضل على مجهودك
لاحرمت الاجر


جزاكى الله خيرا على مرورك أختاه
ووفقنا الله جميعا للإخلاص فى السر والعلن والقبول .
والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
  • 0

صورة



أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم و أتوب إليه


#8 أخــ نورعيني ــوكم

أخــ نورعيني ــوكم

    نور عيني يا رسول الله

  • فرسان لهم بصمات
  • 2,223 مشاركة
  • الجنس:ذكر
  • الدولة:كل بلاد الإسلام أوطاني
  • الهوايات:• القراءة
    • الشعر
    • الإنترنت
    • رياضة المشي

تاريخ المشاركة 18/03/2009 - 05:35 ص

السلام عليكــم ورحمـة الله وبركاتــه ،،
نستكمل الجزأ الثالث بفضل الله .

الحرص الذي لا يؤدي إلى نتيجة

لقد استعرضنا فيما سبق قصر هذه الحياة الدنيا, وكيف إنها تمر بنا كلمح البصر. هنا يجب الإشارة إلى نقطة مهمة تغفل عنها عيون الكثير من الذين وضعوا جلّ اهتمامهم هذه الدنيا, وهي أنه لا يمكن لأي شخص مهما امتلك من إمكانيات وقوة وثروة أن يصل إلى الطمأنينة الحقيقية وإلى الراحة النفسية من دون الإيمان بالله.

إن الإنسان ما إن يبدأ بالوعي وبإدراك الأشياء من حواليه حتى تبدأ وتظهر مطالبه ورغباته التي لا تعرف لها أي نهاية، وهو يحاول تلبية جميع هذه الرغبات وإشباعها. ولكن الإنسان مقابل هذه الرغبات التي لا تنتهي لا يملك الإمكانيات التي تحققها جميعا، لأن إمكانياته محدودة. وحتى لو فرضنا أنه يستطيع ذلك فلا يغير هذا من الأمر شيئا، لأنه حتى وإن أصبح أغنى أغنياء العالم فهذا الغنى زائل، لأنه إن كان متوسط العمر يتراوح بين سبعين إلى ثمانين سنة وما إن تنتهي هذه المدة حتى يفقد كل شيء بالموت.

لذا فإن الإنسان الذي لا يعرف حدوداً لرغباته يظل يعيش– كجزاء وعقاب من الله– في حالة من "الجوع وعدم الاكتفاء النفسي"، وتتملكه في كل فترة من فترات حياته رغبة عارمة في تملك أشياء معينة. وهو في سبيل تحقيق رغباته تلك نراه يجري ويعمل بكل جهد حتى وإن أدّى به ذلك إلى أن يسلك في هذه السبيل طرقا ملتوية, ويكون مستعدا في هذا الخصوص لكي يعادي أقرب الناس إليه:عائلته وأقرباءه وأصدقاءه إن ظن أنهم سيكونون حجر عثرة أمام تحقيق رغباته, والغريب في الأمر أنه ما إن يحصل على بغيته حتى يبطل سحر ذلك الشيء لديه ويفقد قيمته وينطفئ بريقه مهما كان ذلك الشيء ثمينا. وكأنه لم يبذل في سبيله كل تلك الأشهر والسنوات. ثم إذا بنا نراه يبدأ مجدداً في السعي لإمتلاك شيء آخر وقعت عيناه عليه ويبدأ كما فعل سابقا العمل بكل جهد من أجل ذلك الهدف الجديد. . . وهكذا يستمر في سعيه دون انقطاع.
إن الشخص المنكر يستمر حتى وفاته في السعي من أجل امتلاك الجاه والمال وكل ما تقع عيناه عليه دون أن يفتر. ولا يسعد أبدا بما تملكه وحصل عليه, فلا يكون قنوعاً بما لديه لأنه لا يوجد في نيته كسب رضى الله بل العكس فهو يسعى من أجل إرضاء روح الأنانية التي تتملّكه, وهذا بالطبع يؤدي إلى أن يكون مختالاً ومغروراً بنفسه ولهذا فإن رب العالمين لا يمنح الطمأنينة الحقيقية وراحة البال لأمثال هؤلاء من الذين أصبحوا عبيدا لشهواتهم ولنزواتهم ولأنانيتهم.
ونجد هنا أن الله ذكر في قرآنه الكريم أن الذين يتوجهون إلى الله ويذكرونه باستمرار هم الذين يعيشون حياةً ملؤها الطمأنينة وراحة البال.
الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ إلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (الرعد 28)


الانخداع بالحياة الدنيا

إذا أجال الإنسان بصره فيما حوله رصد الكثير من أنواع ومن صور الجمال التي تبهج النفس والفؤاد وتسر الأعين وهو يراقب كل هذه الأشياء بإعجاب كبير, فالتصميم الدقيق والدقيقة المصممة بكل جمال في جسم الإنسان. . . ملايين الأنواع من النباتات والزهور الجميلة. . . , انتشار قطع الغيوم الكبيرة وتناثرها على مساحات شاسعة في سماء رحب. . . بالإضافة إلى الكثير من المخلوقات والأشياء التي صممت بشكل دقيق تبعث في النفوس البهجة والسرور. بالإضافة إلى ما تشاهده الأعين فإن هناك حواساً أخرى تمنح الإنسان فرصة الاستمتاع بأشياء أخرى. مثلا حاسة التذوق التي تمنحنا فرصة تذوق الأطعمة المختلفة, وحاسة السمع التي تمنحنا فرصة الاستماع إلى مقطوعة موسيقية عذبة تخترق شغاف القلب, وحاسة الشم التي تجعلنا نشم رائحة وردة عطرة. فكم هو جميل ومبهج أن نشاهد منظر فاكهة متدلية من غصن شجرة وأن نشم رائحتها ثم أن نستمتع بطعمها اللذيذ؟. وكذلك ما نراه من اختلاف الألوان وتناغمها في الأزهار وأشكالها وصورها العديدة الجميلة والتي تمنحنا الإحساس بالبهجة والانشراح والمتعة, وكذلك منظر وجه جميل لإنسان، أو منظر بيت جميل أو سيارة حديثة. . . قائمة يطول الحديث عنها وهي تجعل بني البشر يجرون طوال حياتهم من أجل أن يظفروا بها. ولكن ما أن يلتفت إلى هذه الأشياء بعد مرور فترة من الوقت عليها حتى يقع في حيرة كبيرة لأنه سيرى أن كل هذه الأشياء قد فقدت جاذبيتها وجمالها, وانقلبت إلى حال لا يرغب أحد حتى في إلقاء نظرة عليها.

فالفاكهة اليانعة التي قطفت حديثا من الشجر والتي كانت نضرة وزاهية تفوح بعطر أخاذ نراها بعد فترة وقد فقدت نضارتها وبدأت علامات التلف تظهر فيها، وتبدأ تدريجيا في التعفن وتنبعث منها روائح كريهة. ثم ما بال تلك الأزهار الحمراء التي قطفناها من الحديقة والتي كانت تضفي على البيت جمالا؟ لقد فقدت رونقها ونضارتها بعد أيام معدودات وبدأت تذبل. . لنتأمل وجه إنسان حسن الطلعة فبعد 60 عاما عندما تتطلع إليه ترى أن التجاعيد والخطوط العميقة قد أخذت مكانها في وجهه واشتعل رأسه شيباً حتى لا نكاد نعرفه. وذلك البيت الذي طالما حلمت به تراه بعد سنين وقد أصبح بيتا بالياً, ونفس المصير سيواجه سيارتكم الحديثة حيث ستفقد جاذبيتها بعد بضع سنين، ويكون الصدأ قد انتشر في أجزائها المختلفة. والنتيجة التي نخلص إليها أن كل شيء موجود حول الإنسان يميل إلى الفساد والتحلل والبلى وإلى فقد جاذبيته وجماله وجدته.

قد يعتبر معظمنا هذه الأمور " نتيجة طبيعية أو مرحلة طبيعية" لا غرابة فيها. ولكن توجد هنا دون شك عبرة كبيرة ومعنى عميق. , لأن كل شيء عندما يواجه مصيره من العطب والقدم والتآكل يرسل لنا إشارة ورسالة مهمة هي: إن هذه الدنيا ما هي إلا سراب ووهم وخدعة كبيرة! وأن جميع الموجودات الحية من نبات وحيوان وإنسان مصيره إلى الفناء والزوال, وأن السبب الكامن وراء عدم إدراك هذه الحقيقة لدى الكثيرين منا يكمن وراء ولادة أجيال جديدة من الكائنات تأخذ مكان الذين أدركهم الموت, لذا فإن الإنسان الذي لا يدرك حقيقة الموت نراه يعطي أهمية كبيرة في هذه الدنيا للأشياء الفانية بينما الله تعالى هو صاحب كل شيء ومالكه، والأحياء يحيون ويموتون بإرادته وبقدرته وحسب مشيئته.

وقد حذرنا الله من خلال العديد من الأمثلة الموجودة في القرآن الكريم من الانخداع بزيف هذه الحياة ودعانا إلى التفكير بعمق في هذه الحقيقة:

إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنْ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأرض مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَ الأنعَامُ حَتَّى إذا أخذ تْ الأرض زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أنهم قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أو نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيات لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (يونس 24)
فكما تذكر الآية الكريمة فإن كل شيء جميل وحسن, سيأتي يوم يفقد فيه نضارته وحسنه بل حتى يفنى ويختفي من الوجود. ولكن معرفة هذا لا تكفي بل يجب التفكير بعمق في هذه الحقيقة الكبيرة, والله يقول بأنه يضرب الأمثال للذين يفكرون ويتأملون ويتعظون. وبما أن الإنسان كائن عاقل إذن عليه أن يفكر وأن يصل إلى نتيجة معينة من تفكيره. لأن الإنسان الذي لا يفكر ولا يتدبر ولا يعقل ولا يحمل مثل هذه الأوصاف المهمة لا يبقى هناك فرق كبير بينه وبين الحيوانات. ولا يميزه شيء عن سائر المخلوقات الأخرى، لأن هذه المخلوقات الأخرى تتوالد وتكبر وتتكاثر أيضاً وتستمر في الحياة ضمن القوانين التي تسيّرها, وطبيعي فهي لا تفكر كيف ولماذا خلقت, وأنها ستموت يوماً ما, وهي لا تكلف نفسها عناء البحث عن حقيقة هذه الحياة الفانية. وهذا شيء طبيعي بالنسبة إلى مثل هذه المخلوقات لأنها لم تخلق ككائنات مدركة أو صاحبة عقل. لأنها ليست مكلفة في البحث عن غاية الخلق وإدراك سر وجود الخالق, لكن الأمر يختلف مع الإنسان لأنه يكون مسؤولاً عن معرفة خالقه والعمل بما أمره به وهو مسؤول بأن يدرك بأن هذه الحياة ليست دار بقاء، بل هي مجرد دار زائلة يعيش فيها لفترة قصيرة قبل أن ينتقل إلى دار الآخرة. واجب عليه أن يدرك هذه الحقيقة ويبدأ بإعداد نفسه بأن يسلك جميع الطرق التي تجعله ينال مرضاة الله قبل أن يتقل إلى دار الآخرة, ولكن أي تصرف عكس هذا سوف يؤدي به لا محالة إلى مواجهة متاعب كبيرة في الدنيا وإلى عذاب شديد في الآخرة ً.


أمثلة من القرآن حول زوال الدنيا

ضرب الله لنا في القرآن أمثلة عديدة على زوال الحياة الدنيا. فقد استعرض العديد من المجتمعات الإنسانية التي عاشت في السابق وما أصابها من كوارث وما صب فوق رؤوسها من صنوف العذاب. كما أو ضحت الآيات القرآنية الوجه الحقيقي للحياة الدنيا وصاحب الجنة وحواره مع صديقه الوارد ذكرهما في سورة الكهف مثال على هذا:
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أكثر مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبدا وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إلا بِاللَّهِ إِنْ تُرَنِي أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنْ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا أو يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا هُنَالِكَ الْوَلاية لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنْ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأرض فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا ( الكهف 32-46)

تشير هذه الآية الكريمة إلى مدى الخطأ الذي يقع فيه الإنسان عندما يغتر بماله وبقوته، وكيف أن الله يستطيع في لحظة واحدة سلب كل شيء عنه. وإلى الحقيقة نفسها تشير آية أخرى:
إِنَّا بَلَوناهم كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ وَلَا يَسْتَثْنُونَ فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ فَتَنَادَوا مُصْبِحِينَ أَنْ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَارِمِينَ فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِين وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ قال أوسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إلى رَبِّنَا رَاغِبُونَ كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الآخرة أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ( القلم 17-33)

فقد يكون الإنسان غنياً ولا يكون سعيدا بغناه. وقد تكون المرأة حسناء ويكون هذا الحسنُ وبالا ً عليها. قد يكون الإنسان مشهوراً ولكن في يوم ما يعيش وحيداً ثم يموت وحيداً في إحدى الغرف دون أنيس ولا قريب. وقد ضرب الله لنا مثالا لهؤلاء قارون وكان من قوم سيدنا موسى عليه السلام, فهنا يشير الله إلى قارون و إلى الذين على شاكلته ممن خدعوا بزينة هذه الدنيا وهم ظاهراً يؤمنون بالله ولكنهم نسوا الله بانخداعهم بسحر هذه الدنيا.

يقول الله تعالى:
إن قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنْ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أو لِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخرة وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأرض إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِين قَالَ إِنَّمَا أو تِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أو لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنْ القُرُونِ مَنْ هُوَ أشد مِنْهُ قُوَّةً وأكثر جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمْ الْمُجْرِمُون فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أو تِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيم وَقَالَ الَّذِينَ أوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إلا الصَّابِرُون فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأرضٍ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنْ المُنْتَصِرِين وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ تِلْكَ الدَّارُ الآخرة نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأرض وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (القصص 84 – 76)
وكما رأينا فإن الخطأ الذي وقع فيه قارون لا يتعلق بإنكاره وجود الله, ولكن خطئه يكمن في تحركه
بصورة مستقلة عن إرادة الله وبإحساسه بامتلاك قدرة منفصلة ذاتية, وأن هذه القوة التي منحه إياها الله تعالى قد فسرها على أنها حق طبيعي لإحساسه بتفوقه على باقي البشر. لكن يجب معرفة أن الجميع هم عباد الله، ولا يحق لهم المطالبة بأي حق منه, وأن ما منحه الله لعباده هو فقط ناتج عن الكرم الإلهي وعلى الذين يعون هذه الحقيقة أن لا يتمردوا أمام ما أنعم الله عليهم ولا يعصوا ولا يفرحوا بهذا الشكل المبالغ به لما منحهم رب العالمين من نعم, بل عليهم أن يشكروه وأن يفرحوا بهذا الإحساس, وأن هذا السرور الذي يجب أن يعيشوه هو أعظم وأرفع إحساس في الدنيا.

أما الذين أتخذوا قارون وأمثاله قدوة لهم في حياتهم فسوف يواجهون بالخسران والفشل, و إذا استمروا في عدم الاتعاظ بما أصابهم من محن ومصائب جراء سلوكهم هذا عندها سيكون مأواهم الخلود في نار جهنم, وهذه الحقيقة عبرت عنها هذه الآية الكريمة:
اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأمْوَالِ وَ الأولاد كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخرة عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إلا مَتَاعُ الْغُرُورِ (الحديد 20 )
قال الله تعالى :(وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنْ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا)

  • 0

صورة



أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم و أتوب إليه


#9 أخــ نورعيني ــوكم

أخــ نورعيني ــوكم

    نور عيني يا رسول الله

  • فرسان لهم بصمات
  • 2,223 مشاركة
  • الجنس:ذكر
  • الدولة:كل بلاد الإسلام أوطاني
  • الهوايات:• القراءة
    • الشعر
    • الإنترنت
    • رياضة المشي

تاريخ المشاركة 18/03/2009 - 06:49 ص

السلام عليكــم ورحمـة الله وبركاتــه ،،

الجزأ الرابع من موضوعنا : حقيقة الحياة الدنيا .



عجز الإنسان

لقد خلق الله الإنسان على أحسن صورة, ومنحه صفات عليا, وفضله على كثير من مخلوقاته بما وهب له من إمكانية اتخاذ القرارات وإمكانية تطبيق ذلك عمليا، ووضع الخطط واستنباط الحلول إضافة إلى القدرات الذهنية الأخرى.

لكن يا ترى هل فكرتم لماذا يحتاج مثل هذا المخلوق الذي يمتلك كل هذه الصفات العليا إلى بدن خاص لكي يحميه؟ لماذا توجد هناك مخلوقات لا ترى بالعين المجردة بل باستعمال المجاهر الإلكترونية مثل البكتريا والفيروسات التي يمكن أن تسبب ضرراً قاتلا للإنسان؟ لماذا يضطر الإنسان أن يحافظ على نظافة بدنه طوال حياته؟ولماذا يعاني جسم الإنسان من الشيخوخة والهرم؟.
قد يعتبر البعض كل هذه الأمور أشياء طبيعية, فيما نرى أن هناك غاية خاصة لكل شيء تم إستعراضه حتى الآن وقد أو جد الله جميع التفاصيل التي من خلالها نرى عجز الإنسان وضعفه , ففي سورة النساء الآية 28 يسترعي انتباهنا إلى هذه الحقيقة بقوله: ( وخلق الإنسان ضعيفاً. . . . ) أي أن كل هذه الأمور موجودة لكي يعلم الإنسان بأنه خلق ضعيفا ً ويدرك مقدار ضعفه وعجزه أمام رب العالمين, وليعرف بأن هذه الدنيا لا يطول الأنتظار فيها.

فالإنسان لا يعرف متى وأين سيولد وأين ومتى سيموت, وهو مهما عاش حياة سعيدة فإن هناك عوامل يمكن أن تؤثر سلبا ً على سير حياته، وهو لا يملك أي آلية تمكنه من السيطرة على هذه السلبيات.

أجل!. . . إن جسم الإنسان يحتاج باستمرار إلى العناية به والمحافظة عليه لأنه لا يستطيع التكهن بما يمكن أن يتعرض له في هذه الدنيا حتى ولو كان يعيش في أي بقعة من بقاع الأرض سواء أكان يعيش في إحدى المدن الصناعية أم على بعد آلاف الكيلومترات من أقرب مدينة حضرية، أو في مكان يخلو من الماء والكهرباء في قرية نائية، فمن الممكن ومن المحتمل أن يتعرض هذا الشخص إلى مصيبة لم تكن في حسبانه أو يتعرض إلى مرض مميت أو إلى حادث يفقد به قوته أو سلطانه أو أحد أعضاء جسمه الذي طالما كان يفتخر به.

وهذا الأمر يسري على الجميع وعلى كل شخص مهما اختلف موقع هذا الشخص من الناحية الاجتماعية أو المادية, بمعنى ان كل شخص سواء أكان راعيا يصحب حيواناته إلى المرعى أو نجما مشهوراً على المستوى العالمي فهو معرض للمرور بتجارب وحوادث تغير مجرى حياته بشكل لا يتصوره.

إن معدل وزن الشخص يتراوح بين 70-80 كغم وهو عبارة عن كتل من لحم وعظم, وهناك طبقة خفيفة من الجلد تغطي هذا اللحم. وهذا الجلد الرقيق إذا تعرض إلى ضربة ظهرت عليه الكدمات، ويمكن أن يخدش ويجرح بسهولة, وهذا الجلد لا يتحمل التعرض للشمس لفترات طويلة، فإذا تجاوز هذا التعرض الحد الطبيعي احمر في البداية الأمر ثم انتفخ. وبإختصار فإن الشخص الذي يتعرض إلى جو حار يجب أن يتخذ احتياطاته اللازمة لكي يحمي نفسه.

لقد خلق الله الإنسان على أحسن صورة وجهزه بنظام متكامل، ولكن الحكمة الإلهية قضت أن يكون
جسم الإنسان عبارة عن لحم ودهن، وهي مواد قابلة للتلف بسرعة، وذلك من أجل إبراز حقيقة فناء هذه الدنيا و بأن هذه الحياة ما هي سوى رحلة قصيرة. و إذا تخيلنا أن جسم الإنسان خلق من مادة أخرى قوية شبيهة بالدرع, حينذاك لا يمكن لأي جرثومة أو فيروس أن يخترق بدنه فلا تصيبه مختلف الأمراض المعروفة. فالمكونات الأساسية لجسم الإنسان هي الدهن واللحم وهي مواد قابلة للتلف بسرعة كبيرة. فإذا قمنا بتجربة وتركنا هاتين المادتين في العراء نلاحظ فساد وتلف هاتين المادتين بسرعة كبيرة. إن الحكمة من جعل اللبنات الأساسية لجسم الإنسان من هذه المواد القابلة للتلف هي إثبات عجز هذا الإنسان وضعفه. إن إحساس الإنسان بعجزه بشكل مستمر هو تذكير دائم من الله تعالى للإنسان. مثال على ذلك نلاحظ كيف إن تيارا هوائياً بارداً يترك آثاراً سلبيةً واضحةً على جسم الإنسان والذي يبين عجز جسم الإنسان. حيث بإمكان هذا التيار البارد أن يشل شيئا فشيئا أجهزة مناعة الجسم الفيزيولوجية.

لهذا فإن تثبيت درجة حرارة جسم الإنسان في مثل هذه الظروف وبصورة مستمرة في حدود 37 درجة مئوية ضروري جدا للمحافظة على صحته. ولكن في حالة تعرض جسم الإنسان إلى تيار هوائي بارد جدا فهذا سيؤدي إلى الانهيار التدريجي للجسم.
في البداية تتسارع دقات القلب ويبدأ جسم الإنسان في الارتعاش لكي يدفئ نفسه، فإذا هبطت درجة حرارة الجسم إلى 35 مئوية فهذه علامة خطرة وستؤدي إلى نتائج وخيمة، إذ تبدأ ضربات القلب بالتباطؤ، وينخفض ضغط الجسم, وتبدأ الشرايين( ولا سيما في كل من الأذرع والأفخاذ والأصابع) في التقلص. والملاحظ أنه عند هبوط درجة الحرارة إلى 35 م يبدأ إحساس الشخص بالتبلد ويعاني أيضاً من عدم الدقة في تعيين الاتجاهات ويغلب عليه النعاس ويتشتت انتباهه, كما يعاني من شرود ذهني. وإذا استمر في تعرضه لموجة البرد هذه فترة أطول تهبط درجة حرارة الجسم إلى 33 درجة مئوية, وهذا يؤدي به إلى فقدانه الذاكرة والوعي. وعندها تهبط حرارة الجسم إلى 24 درجة مئوية يتوقف الجسم عن التنفس. وعند درجة حرارة 20 مئوية يتوقف الدماغ وتقف دقات القلب وهذا يؤدي بالنتيجة إلى وفاة الشخص. المثال المذكور أعلاه إحدى الأمثلة, وسوف نتناول في الصفحات القادمة من هذا الكتاب أمثلة أخرى وبشكل تفصيلي توضح عجز الإنسان وضعفه من الناحية الجسدية. إن غايتنا من هذا العرض هو إظهار أن العجز الذي هو صفة من صفات جسم الإنسان يحول دون وصوله إلى الإشباع الحقيقي في هذه الدنيا ويحول دون الجري الأعمى خلف هذه الرغبات الفانية، ويذكره بالحقيقة الواضحة التي لا جدال فيها وهي أن الجنة هي دار البقاء، لذا عليه أن يوجه جل اهتمامه للظفر بها. وفي الصفحات القادمة سنستعرض كيف أن الجنة هي المكان الذي يخلو من جميع أنواع العجز الجسدي وضعفه، ومن كل أنواع النقص والعيوب، حيث سيجد الإنسان هناك كل ما يطلبه ويشتهيه، ويكون بعيدا عن كل ما يعكر صفو حياته من جوع أو عطش أو مرض أو شيخوخة أو تعب. . . . . . . إلخ. إن هذا يظهر حقيقة أن هناك عظمة تفوق الإنسان وان هناك حقيقة واضحة وهي أن الإنسان بحاجة ماسة إلى الله تعالى في جميع الأوقات. ويؤكد القرآن الكريم هذه الحقيقة من خلال آيات عديدة منها الآية الكريمة :
يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إلى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (فاطر 15)


متطلبات الجسد

هناك الكثير من النواقص في جسد الإنسان، فالإنسان بداية يضطر لأن يحافظ على نظافة محيطه, ويأخذ الوقت الذي يصرفه في هذا السبيل نصيبا وافراً من حياته. فالكثير من الاستطلاعات المنشورة تبرز الوقت المبذول في عملية الغسل في الحمام كالحلاقة وغسل اليدين والرجلين والشعر والجلد... الخ. نلاحظ هنا طول المدة الزمنية المستغرقة من عمره وهو يقوم بهذه الأعمال التي نندهش عند القيام بحساب طول المدة الزمنية لها، فهي مدة لا تخطر على بال الإنسان.

إذا حولنا نظرنا إلى ما يحيط بنا سنرى أناساً من مختلف الصنوف من البشر، سنجد أن الكثير منهم يهتم بنظافة جسمه وملابسه, ونرى السيدات اللائى يضعن المكياج ويصففن شعورهن بشكل دقيق، ويلبسن ملابس مكوية بشكل جيد. ترى هل يفكر أحد من الرجال أو النساء كم يصرف من الوقت لكي يظهر بهذا المنظر المناسب ؟

كما نعلم فإن المعتاد عند الكثيرين هو القيام بعمليات التنظيف المعتادة عند النهوض صباحا من النوم لحين توجههم إلى النوم مساء، وتشمل غسل جميع أعضاء الجسم. فأول عمل يقوم به الإنسان بعد الاستيقاظ في الصباح هو التوجه إلى الحمام ليقوم بغسل أسنانه نتيجة للترسبات المتراكمة في فمه من الجراثيم التي تتسبب في انبعاث روائح كريهة غير مستحبة. كذلك إلى عمليات أخرى يقوم بها الإنسان عند نهوضه صباحا. فلأن الدهون المتراكمة في وجهه وشعره وتكاثر القشرة بين بصلات شعره وما يفرزه جسمه من عرق كريه الرائحة غير مرغوبة بها، يضطره للإستحمام، وإذا لم يقم بالإستحمام فإن الدهون المتراكمة على جسمه وعلى شعره سيجعل من الصعب عليه أن يخالط الناس. والملاحظ أن كثرة مواد تنظيف الجسم وتنوعها تجعلنا نفكر إلى مدى الحاجة الماسة لهذه العملية. فبالإضافة إلى المواد التقليدية المعروفة كالماء والصابون فإن هناك مواداً أخرى يجب استخدامها لإزالة طبقات الجلد الميتة المتراكمة على جسم الإنسان. وعلاوة على تنظيف الجسم، فإن كل إنسان يخصص وقتا طويلا أيضاً في الاهتمام بنظافة ملابسه ونظافة بيته وبيئته التي تحيط به. وإلا فإنه يصعب الاقتراب من شخص انقضى على لبس ملابسه زمن طويل, أو ترك بيته دون تنظيف. وبإختصار فإن الإنسان يخصص من حياته زمناً مهما للقيام بأعمال التنظيف والصيانة المختلفة وهو يستعين بمعدات ومواد كيماوية مختلفة للقيام بهذه الأعمال.

عندما خلق الله جسم الإنسان ضعيفاً وعاجزا،ً وهب له إمكانية ستر هذا العجز وعدم إظهاره ولو بشكل مؤقت, كما وهبه القدرة على التفكير التي يستطيع من خلالها إخفاء هذا العجز وتنظيف جسده. ولكن البعض ممن لا يفكرون بشكل سليم ولا يستعملون الوسائل التي زودهم الله بها يظهرون بمظهر سيئ أمامنا، ولاسيما عندما لا يستعملون مواد التنظيف اللازمة, لذا يبدون بصورة مزرية ومنفرة جدا. ولكن مهما اجتهد الإنسان في عمليات التنظيف والعناية بجسمه فإنها ستكون مؤقتة. فإذا قمت بتنظيف أسنانك فبعد مرور ساعة واحدة فقط سيبدو وكأنك لم تقم بغسلها, و إذا أستحم أحدهم في الصيف مثلا، فإنه وبعد ساعة أو ساعتين سيبدو وكأنه لم يستحم, كذلك فكروا في حال امرأة قضت ساعات طويلة أمام المرآة لكي تبدوا بصورة جميلة بعد وضعها المكياج بشكل متقن ودقيق على وجهها، إذ لن يمر وقت طويل حتى لا يبقى أي أثر لهذا المكياج حتى وإن ظلت بقايا من هذه المواد فإنها تأخذ في الوجه شكلا غير مرغوب به.

أما الرجل الذي يحلق وجهه بعناية كبيرة - وهذا يستدعي أن يخصص زمنا لا باس به من وقته - فسيضطر بعدما ينهض في صباح اليوم التالي أن يعيد مجددا العملية نفسها. !!

المهم هنا هو الإدراك بأن هذا الضعف الجسدي يشير إلى غاية معينة، وان هذا العجز أو النقص قد وضع بصورة خاصة فينا، وهي ليست عيوب جبرية.

دعونا نتأمل هذا المثال :
إن الشخص الذي ترتفع درجة حرارة جسمه سيعاني بعد فترة من التعرق وهذا شئ طبيعي وان الرائحة المنبعثة من هذا التعرق ستكون كريهة للغاية. إن كل فرد يعيش على وجه الأرض يواجه باستمرار مثل هذا الوضع.

ولكن الأمر مختلف عند النباتات : فمثلا إن الوردة يمكن أن تنبت في أراض مختلفة، فالزهرة التي تنبت بشكل طبيعي في إحدى الأزقة أو في شارع من الشوارع تكون معرضة لمختلف أنواع التلوث والأوساخ، ولكن هذا لا يؤثر على عدم نشرها لرائحتها الزكية. وهي مهما تعرضت لأي درجة من درجات التلوث والقذارة فهذا لا يجعلها تفوح بروائح كريهة، بل تظل تحتفظ دوماً برائحتها الزكية, وهي لا تحتاج إلى من يقوم يومياً بتنظيفها وبرعايتها. ولكن الأمر مختلف مع الإنسان, فالله تعالى منح الإنسان مختلف صنوف النقص لكي يحس بعجزه وبضعفه، فهو على الرغم من استعماله لمختلف وسائل التنظيف ومواد التجميل والروائح المعطرة لا يستطيع أن يجعل رائحته زكية وفواحة بصورة مستمرة ومن جميع أنحاء جسده. وبالإضافة إلى هذا العجز الجسدي فإنه يحتاج إلى الغذاء لكي يستمر في الحياة، ويجب أن تكون تغذيته هذه على مستوى عال من التنظيم. فجسم الإنسان يحتاج إلى أن يتناول في الوقت نفسه مواد غذائية تحوي فيتامينات وبروتينيات وسكر وكربوهيدرات ومختلف الأنواع من الأملاح. فإذا حدث وان كانت الكمية المأخوذة من المواد التي ذكرناها غير كافية, فإن الأعضاء الداخلية لجسم الإنسان ستعاني من أضرار كبيرة، وكذلك أنسجة الجلد ستعاني هي الأخرى من أضرار كبيرة، وكذلك ستضعف منظومة المقاومة في جسمه. ولهذا السبب فبقدر اهتمامه بنظافة جسمه عليه أن يبدي نفس الأهتمام بنظام تغذيته. هناك حاجة ملحة أخرى للإنسان حتى إنها تعتبر أهم من الغذاء، لأنه يمكنه العيش لمدة من الزمن دون تناول للطعام، ولكن لا يستطيع العيش أكثر من بضعة أيام دون شرب الماء. لأنه إذا لم يدخل الماء جسمه بأي شكل من الأشكال خلال هذه الفترة فإنه سيموت لا محالة, لأن جسم الإنسان بحاجة ماسة للماء على الدوام، فجميع الفعاليات الكيماوية الحياتية التي تتم داخل جسم الإنسان والتي تديم الحياة تتم من خلال الماء الذي يلعب دورا حيويا. أن ما تم استعراضه هنا يمثل النقص والعجز الذي يصاحب كل فرد من بني البشر. ولكن هل جميع البشر يدركون بأن هذا يمثل نقصاً أو عجزا ً؟ هل يستوعب الجميع هذا الأمر؟ أم لكون الجميع مشتركون بهذا العجز والنقص يجعلهم يعتبرون الموضوع شيئا طبيعيا ؟ إن ما تم أستعراضه هنا من أو جه النقص والعجز شاملةً لجميع البشر، ولكن ما يجب تذكره وعدم نسيانه هو أن الله تعالى لو شاء ما جعل هذا النقص والعجز موجوداً عند الإنسان، ولجعله نظيفا يفوح دوما برائحة طيبة مثل الورود.

إذن يجب التذكر بأنه لو شاء الله ما جعل هذا النقص والعجز موجودا لدى الإنسان، ولكن لحكمة معينة خلق الله تعالى الإنسان بكل هذه النواقص. والإنسان الذي يشاهد بجلاء هذا العجز أمام خالقه عليه أن يسير في الطريق الذي رسمه الله تعالى له ودعاه أن يسير فيه وألا يحيد عنه, وألا يربط نفسه بهذه الدنيا الزائلة والناقصة, وان يستعد بكل جد ويتأهب لدار الخلود.


خمسة عشر عاما من عدم الوعي

على كل إنسان أن يأخذ في كل يوم قسطاً من النوم لفترة زمنية معينة مهما كان مشغولاً أو حتى ولو لم يكن راغبا في النوم, فلا مفر أمامه من قضاء ربع يومه في النوم لكي يريح جسده وعقله، وإلا يصبح من غير الممكن أن يستمر على قيد الحياة. ففي اليوم الواحد نراه يقضي 18 ساعة وهو في أتم وعيه، والمتبقي من الزمن وهو 6 ساعات يكون غائبا عن وعيه تماماً. وإذا نظرنا إلى الموضوع من هذه الناحية نرى نتيجة مثيرة, وهي أننا لو اعتبرنا معدل عمر الفرد 60 عاما وحسبنا أنه يقضي ربع يومه في النوم فهذا معناه إن كل شخص يقضي 15 سنة من عمره وهو غائب عن الوعي. ونحن نلاحظ بجلاء كيف أن عيون الشخص الذي لم ينم لمدة يومين تصبح حمراء كالدم، ويبدو جلده وكأنه قد فقد حيويته وبهت لونه,
وإذا استمر على هذه الحالة فسيفقد وعيه لا محالة.
فالإنسان لا بد له أن يغمض جفنيه ويغيب عن الوعي وينام خلال يومه سواء أراد ذلك أم أبى, فهذه قاعدة لا تتغير ولا مفر منها سواء أكان الشخص غنيا أم فقيراً, جميلاً أم قبيحاً. فإذا أستسلم أحدنا إلى النوم فسيبدو كأنه شخص ميت لا يحس بأي شئ، ولا يقوم بأي رد فعل. فعلى الرغم من سلامة الأذنين (اللتان كانتا تسمعان وتفهمان الأصوات الصادرة قبل قليل) تصبحان عاجزتين عن أداء فعالياتهما المعتادة على الرغم من عدم وجود خلل ما في نظام الجسم الفيسيولوجي، حيث تهبط جميع الفعاليات البدنية إلى أدنى حد ممكن. ونلاحظ أن تركيز نظام الجسم ودقته يهبطان إلى أدنى مستوى لهما, وهذا يعد نوعا من أنواع الموت. لأن الجسد يرقد في الفراش بينما روحه تتجول في أماكن أخرى ويشعر بأنه يعيش حوادث مختلفة, فقد يرى نفسه وهو على شاطئ بحر ويحس بحرارة الجو، ولكن الحقيقة هي أنه مازال راقدا في فراشه ويغط في نوم عميق. ويحدث الموت التأثير نفسه فهو يأخذ روحنا من بدننا هذا الذي نعيش به في هذه الدنيا وينقلنا إلى عالم جديد. والقرآن الكريم يتطرق إلى هذا التشابه بين الموت والنوم بقوله :
وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أجل مُسَمًّى ثُمَّ إليه مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ( سورة الأنعام 60)

هناك آية أخرى تصف التشابه الموجود بين الموت والنوم بقوله تعالى :
اللَّهُ يَتَوَفَّى الأنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأخرى إلى أجل مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (سورة الزمر 42 )

وأكثر الناس لا يفكرون أبدا في مفهوم غيابهم عن الوعي والإدراك وعدم قيام أجسامهم بالفعاليات المعتادة لفترة تأخذ ربع مساحة يومهم وبالتالي ربع سنوات حياتهم الدنيوية, حيث يبدون خلالها وكأنهم موتى، ولا يخطر على بالهم أنهم خلال استغراقهم في نومهم مضطرون لترك كل شيء جانبا مهما كان الأمر عاجلا ً, حيث تصبح بعض الأعمال التي قاموا بها وبعض الفعاليات التي أجروها خلال يومهم هذا لا تحمل أي معنى خلال نومهم وغيابهم عن الوعي, مثل ما ربحوا من نقود, أو دخولهم لإمتحان مهم, أو شرائهم هدية ثمينة, لأنهم دخلوا إلى عالم انقطع من خلاله ارتباطهم بهذه الدنيا.

لقد استعرضنا سابقا من خلال بعض الأمثلة مدى قصر هذه الحياة الدنيا، ومدى انشغال الإنسان لإنجاز هذه الأعمال الضرورية، فإذا تم طرح الزمن الذي تم قضاؤه في هذه الحياة لإنجاز هذه الأعمال الضرورية, فسيجد أن المتبقي من الزمن الذي سيقضيه الإنسان لكي يلهو ويعمل ما يحلو له ويحقق رغباته لكي يستطيع أن يقول لنفسه ``إنني أعيش في هذه الدنيا كما يحلو لي``... سيجد أن هذا الزمن قليل جداً. لأن الزمن الذي يقضيه لإنجاز أعمال ضرورية مثل النظافة والتنظيف والنوم, وكذلك الزمن المهدر في ذهابه إلى عمله وإيابه منه لكي يضمن العيش في ظروف حياتية أحسن. . . كل هذه الفعاليات تأخذ مساحة واسعة من الزمن المتبقي من حياته.
ومما لاشك فيه فإنّ الحسابات والأرقام المتعلقة بمقدار الزمن الذي يقضيه الإنسان وهو يعيش أوضاعاً وأحوالا مختلفة تدعو إلى الدهشة. فكما نوهنا سابقا بأننا لو فرضنا بأن معدل عمر الإنسان هو 60 عاما فإنه يقضي ما لا يقل من 15 إلى 20 سنة في النوم، والمتبقي هو 40 سنة إلى 45 سنة يقضي منها 5 إلى10 سنوات في مرحلة الطفولة التي لم يتكامل بعد فيها وعيه وشعوره تماما. وهذا يعني أن الإنسان الذي يعيش قرابة 60 عاما يقضي نصف عمره تقريبا في حالة من عدم الوعي. أما المتبقي من عمره فيمكن التطرق إليه من خلال إعطاء بعض الأرقام. مثال ذلك الزمن الطويل الذي يقضيه في إعداده الطعام والأكل، وتنظيف جسمه وبيئته من حوله، والزمن المهدر في الطريق لكي يتنقل من مكان إلى مكان آخر. وطبعا نستطيع أن نزيد من عدد هذه الأمثلة.

وفي النهاية نرى أنه لم يبق من عمره الطويل سوى ما بين ثلاث إلى خمس سنوات لكي يشبع رغباته وحاجاته الطبيعية. حسنا!.... ما هو وجه المقارنة الأن بين حياة أبدية وخالدة وبين هذه الحياة القصيرة جدا؟.

في هذه النقطة الفاصلة يظهر الفرق الكبير بين أصحاب الإيمان الحقيقي وبين المنكرين والعصاة.
إن الإنسان العاصي والمنكر يحسب أن الحياة هي الفترة الزمنية التي يقضيها على وجه الأرض فقط، وهو يتعب من دون جدوى لكي يستمتع بطعم هذه الحياة الفانية التي تمر كلمح البصر، لأنه كما ذكرنا منذ البداية فالحياة الدنيا هذه قصيرة جدا وهي تشتمل على نواقص عديدة, ونتيجة لعدم اعتمادهم وتوكلهم على الله فإنهم يجترعون طوال حياتهم الآلام الناتجة عن المصاعب الدنيوية من القلق والتفكير فيما سيحدث في الغد.

أما أصاحب الإيمان الحقيقي فهم يعملون طوال حياتهم لكسب رضا الله تعالى, وهم يعيشون حياتهم بطمأنينة وسكينة، بمنأى عن جميع المخاوف والأحزان نتيجة لانقيادهم لله تعالى، وهو ما يقودهم في النهاية إلى الفوز بدار النعيم الخالد ألا وهي الجنة.
والحقيقة أن غاية وجود الإنسان على وجه الأرض هي إمتحان لتصرفاته وسلوكه. لأن الله جل شأنه وعد الذين يتحلون بالأخلاق الحميدة والصفات الجميلة بالسعادة في الدنيا وفي الآخرة :
جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ الَّذِينَ تَتَوَفَّاهم الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُون-َ (سورة نوح 31 – 30)

  • 0

صورة



أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم و أتوب إليه


#10 أخــ نورعيني ــوكم

أخــ نورعيني ــوكم

    نور عيني يا رسول الله

  • فرسان لهم بصمات
  • 2,223 مشاركة
  • الجنس:ذكر
  • الدولة:كل بلاد الإسلام أوطاني
  • الهوايات:• القراءة
    • الشعر
    • الإنترنت
    • رياضة المشي

تاريخ المشاركة 19/03/2009 - 12:11 ه

السلام عليكــم ورحمـة الله وبركاتــه ،،
الجزأ الخامس

الأمراض والحوادث

الأمراض هي إحدى العلامات التي تذكر بعجز الإنسان، فنلاحظ أن الجسم المحصن والمحمي بشكل جيد يتأثر سلباً وبشكل جدي بالفيروسات والجراثيم التي لا ترى بالعين المجردة. ففي الوهلة الأولى فإنه من الصعب التصديق بأن بدن الإنسان يمكن أن يقع فريسة في أيدي هذه المخلوقات المجهرية بعدما زوده الله تعالى وعلى أكمل وجه بمختلف أنظمة وأجهزة الحماية المدهشة و بالأخص النظام الدفاعي المدهش والمناعة الموجودة في جسم الإنسان.
لكن رغم كل هذه النظم الدفاعية والتحصينات الموجودة في جسم الإنسان نراه يتعرض لمختلف الأمراض والعلل. فالنقطة التي يجب التفكير فيها هنا هي أن الله تعالى الذي منح الإنسان كل هذا النظام المذهل لو شاء ما جعل الإنسان يصاب بمثل هذه الأمراض ولا يتأثر مطلقا بهذه الجراثيم والفيروسات والبكتريا، بل لو شاء ما خلق هذه الجراثيم. لكن الملاحظ أن الإنسان يمكن أن يتعرض لخطر حقيقي من أصغر وأتفه الأسباب. ومثال على ذلك, أنه لو وجد في الجلد جرح صغير فإن فيروساً واحداً يستطيع إختراق الجسم من خلال هذه الفتحة الصغيرة ويتكاثر وينتشر في جميع أنحاء الجسم. فمهما تقدمت التكنولوجيا فإن أبسط جرثومة زكام يمكنها وبكل سهولة أن تسبب إزعاجاً جدياً للإنسان. والتاريخ يقدم لنا شواهد كثيرة على مثل هذه الحوادث, فمثلا نلاحظ كيف أن إحدى أنواع أو بئة الزكام التي انتشرت في إسبانيا عام 1918م قضت على أكثر من 25 مليون إنسان، وفي ألمانيا أنتشر وباء تسبب في وفاة 30 ألف شخص. إن ما ذكرناه ليست إحدى الأخطار البعيدة عنا، بل يمكن أن يتعرض لها كل إنسان وفي أي لحظة. وبالطبع فمن الخطأ المرور على هذا الموضوع دون تفكير فيه، واعتباره أمراً طبيعياً.

إن الأمراض من ضمن عوامل الضعف الأخرى التي وضعها الله تعالى في الإنسان لكي يدرك المتكبرون منهم مدى ضعفهم وعجزهم، ويجعلهم يستوعبون أيضاً الوجه الحقيقي لهذه الدنيا الفانية.

بالإضافة إلى الأمراض فإن هناك مخاطر أخرى يواجهها الإنسان في حياته ألا وهي الحوادث المختلفة. فعلى سبيل المثال حوادث المرور التي اعتدنا مشاهدتها في التلفزيونات وقراءتها من الصحف. فالإنسان لا يفكر كثيرا باحتمال تعرضه يوما ما لمثل هذه الحوادث. كما يمكن للإنسان أن يتعرض خلال ساعات يومه إلى حوادث أبسط بكثير من حوادث المرور وما أكثرها. فكثير ما نسمع أن أحدهم كان يمشي في طريق مستو و إذا بقدمه تصطدم بشيء ما فيقع على رأسه فيحصل عنده نزيف دماغي. أو نسمع عن شخص فقد توازنه وهو ينزل من سلم البيت ووقع فانكسرت قدماه ورقد في الفراش أشهر عديدة. أو عن شخص انسد مجرى التنفس عنده عندما كان يتناول الطعام مما أدى إلى حدوث عملية إختناق لديه. فكل هذه الحوادث ما هي إلا نتيجة أسباب بسيطة, ويمكن أن يتعرض لها بكل سهوله الآف الناس في مختلف بقاع الأرض.

وأمام استعراضنا لمثل هذه الحقائق فإنه يجب على الإنسان أن يفكر في معنى عدم الإرتباط بهذه الدنيا. فيجب عليه أن يدرك بأن كل شئ منح له بشكل مؤقت من أجل اختباره، فهو لا يستطيع أن يقاوم جرثومة واحدةً دخلت جسمه وعرضت حياته لخطر حقيقي, كذلك لا يأمن انزلاق قدمه عند عدم دقته في حساب خطواته التي يمشيها، لذا فكيف يجوز له أن يتجاهل كل هذا العجز ويتكبر تجاه خالقه؟
لا شك أن الله تعالى الذي خلق الإنسان قادر وحده على أن يحميه من جميع المخاطر. ولا يملك الإنسان حماية نفسه من مختلف الأضرار والمخاطر المحيطة به مهما توهم نفسه كبيراً ومهما اغتر بقوته ولا أن ينفع نفسه بعيدا عن قدرة الله تعالى. ولكي يتذكر عجزه فإن الله تعالى قادر على أن يجعل في جسمه مختلف أنواع الأمراض, وإذا شاء الله تعالى جعل في بدنه الكثير من العاهات. وأخيراً - وكما بينا في البداية - فإن الله تعالى خلق الدنيا لكي يمتحن عباده, وكل إنسان مكلف أن يعمل الأعمال الصالحة لكي ينال رضا الله تعالى، وعليه أن يتبع مختلف الطرق لتحقيق هذه الغاية الكبيرة. وستكون الجنة من نصيب الذين يتحلون بهذه الأخلاق الحميدة من الذين يتبعون ما أمرهم به ربهم وينتهون عما نهى عنه.

أما الذين يعاندون ويتكبرون ويطغون ويؤثرون هذه الحياة القصيرة الزائلة فسيتجرعون الكثير من الأحزان والآلام.
النتائج المتولدة من الأمراض والعاهات

كما ذكرنا سابقا فإن الأمراض والحوادث ما هي إلا بعض الوسائل التي خلقها الله لكي يختبر بها الإنسان في هذه الدنيا. فالإنسان المؤمن والصادق في إيمانه إذا ألم به أي حادث لجأ إلى الله بالتضرع والبكاء، لأنه يعلم جيدا بأنه ليست هناك أي قوة على وجه الأرض تستطيع إنقاذه سوى الله تعالى.

وبالطبع فإن الله تعالى الذي يختبر إيمان الإنسان وصبره وتوكله في مثل هذه الحوادث سيمنح هؤلاء المؤمنين مقابل هذا الإحسان سعادة لا نهائية، وكما ذكر القرآن الكريم كان سيدنا إبراهيم عليه السلام نموذجاً مثالياً من خلال حسن تصرفاته وصدقه في توجهه ودعائه إلى الله تعالى. لذا فحري بالمؤمنين أن يحتذوا حذو سيدنا إبراهيم عليه السلام الذي كان دعاؤه:
وَإذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِي وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (الشعراء 79-81 )
ومثال آخر هو سيدنا أيوب عليه السلام الذي لجأ إلى الله تعالى في كربته, حيث نجاه من الأمراض والآلام الشديدة التي أصيب بها وصبر عليها سنوات طويلة، وبذلك أضحى أنموذجاً للصبر يحتذي به من قبل المؤمنين :
ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ ( سورة ص 41 )

إن أمثال هذه المعاناة لا تزيد المؤمنين إلا نضجاً وتعد خيراً بالنسبة إليهم, بينما كل كارثة أو مرض يعد للملحد نوعاً من أنواع البلاء, لذا نراه يتقلب بين جوانح الألم لأنه لا يدرك بأنه قد خلق لحكمة معينة, وأنه في الآخرة سيحصل على مكافأة مقابل هذه الآلام إن توكل على الله تعالى وصبر عليها. وعلاوة على هذه الآلام المادية فهناك بجانبها الآلام المعنوية. لأن القيم السائدة في مجتمع ونظام ينكر الله تعالى هي قيم مادية بحتة. فإذا تعرض شخص معروف ومحبوب لدى الكثير من الناس لحادثة أقعدته عن الحركة وأصبح لا يقوى على مزاولة نشاطه المعتاد نرى بأن معظم أصحابه القدماء يتركونه وحده ولا يبدون الأهتمام السابق به، أو يهملون حتى السؤال عنه، فإذا كان جميلاً وفقد جماله, أو إذا كان شخصاً قوياً وفقد قوته فإن الاهتمام به يقل عما كان عليه قبل ذلك, والسبب يعود إلى أن المجتمعات التي تعيش بعيدة عن قيم الدين نرى أن الأفراد فيها يقَيمون بعضهم البعض بروابط مادية فقط, لذا فإن حصل لأحدهم ضيق مادي فإن قيمة هذا الإنسان تنتهي. فمثلا نرى زوجة وأقرباءً الشخص الذي يصاب بعاهة جسدية يبدءون بإظهار تذمرهم وضيقهم منه، ويبدأ المصاب بعاهة جسدية بشرح سوء حظه هذا لأصدقائه وأقربائه، فمنهم من يتحسر على شبابه وبأنه مازال في ربيع عمره وأنه لا يستحق أن يقع في مثل هذه الحال، ويظل نادباً حظه العاثر.

في النهاية فإن عدم إظهار الأهتمام اللازم بهذا الشخص المصاب سيدفعه لكي يطلب المزيد من الأهتمام والرعاية من أفراد عائلته وأقربائه. ويتمنى معظم المحيطين به والقريبين منه أن يتركوا مثل هذا الإنسان العاجز المريض لشأنه ويبتعدوا عنه، ولكنهم لا يجرأون على مثل هذا التصرف خوفاً من الناس ولومهم وخوفاً من تنديد المجتمع بهم وما سيقولونه عنهم إن تصرفوا على ذلك النحو.
والغريب أننا نرى أن الأفكار والأفعال والعبارات التي تنم عن الأنانية والمصالح الشخصية تحل محل كلمات وعبارات الوفاء والثناء عندما كان هذا الإنسان في أتم غناه وصحته. وفي الحقيقة فليس من الغريب على الذين يعيشون ضمن هذا النظام الجاهلي والمادي أن يكون مفهوم الصداقة والوفاء قصيراً بهذا الشكل وغير دائم، فليس من الممكن أن تنتظر من الشخص الذي يخلو قلبه من مخافة الله والذي يقيم جميع علاقاته البشرية على المعايير المادية فقط أن يدرك معنى الصداقة الحقيقية, لأنه يعتبر حسب منطقه أن من الحمق أن يتصرف الإنسان بشكل جيد وقويم مادام لا يؤمن بوجود أي آلية تقوم بمعاقبته إن اقترف أعمالا غير صالحة، كما يرى أنه من العبث قيام أي شخص - حسب المنطق الجاهلي الذي يؤمن به- بأي تضحية لشخص آخر، أو إظهار وفاء غير مبرر مادام يعتقد أنه بعد سنوات سيموت وسيفنى إلى الأبد. ولكون كل فرد في مثل هذا المجتمع الجاهلي يؤمن بنفس المنطق وهو أنه سيذهب إلى ظلمة العدم بالموت، وسينتهي به الأمر إلى عالم الفناء ففي هذه الحالة نجد أن كل فرد منهم يفكر في مصلحته وفي راحته الشخصية فقط.

ولكن الوضع يختلف مع المؤمنين، فالذين يؤمنون بالله ويعترفون بعجزهم وبضعفهم ويخافون الله تعالى ويحبونه، فإنهم يُقيمون علاقاتهم الشخصية ويبنونها على ضوء ما أمرهم الله تعالى به. فأهم الخصال التي يجب أن يمتلكها المؤمن هي التقوى, التي تعني مخافة الله تعالى وخشيته وهذا ما يجعله يمتلك خلقا أصيلا وصفات حسنة وحميدة.

فإذا امتلك شخص ما في هذه الحياة مثل هذه الصفات الحميدة - وإن كان يعاني من بعض العاهات الجسدية – فإن مآله سوف يكون الجنة خالدا في نعيمها. وهذا ما وعده الله تعالى للمؤمنين به. لذا فإن المؤمنين ومن هذا المنطلق يكونون فيما بينهم على درجة عالية من الوفاء والحب والصداقة الحميمة والستر على عيوب الآخرين ونقائصهم، ومعاملتهم بالرحمة والشفقة. وهذا الاختلاف الكبير ما هو إلا عقاب للمجتمع الجاهلي الذي يعيش بلاءً كبيراً في الحياة الدنيا سلّطه الله على هؤلاء المنكرين وغير المنكرين.
إن الذين عاشوا في هذه الدنيا كما يحلو لهم، وتصرفوا كيفما شاءوا دون محاسبة سيعيشون في الآخرة رعباً كبيراً لأنهم سيحاكمون على ما اقترفوه من أعمال وأفعالِ قبيحة من ظلم ٍ وجحود وأخلاق دنيئة. وتشير الآية الكريمة على إن الكفار الذين تخلقوا بالأخلاق والتصرفات السيئة ستكون وبالا ًعليهم في الحياة الدنيا بقوله:
وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ ِ لأنفسهم إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (آل عمران 178 )


الشيخوخة


نرى بوضوح التأثير السلبي للعامل الزمني في كل شئ. فالسيارة حديثة الطراز بعد مرور بضع سنين ستبدأ بالتعرض لمختلف الأعطال والخدوش, وهذا ما سيؤدي إلى قدمها, وهي نتيجة لا مفر منها. كذلك الحال للبيت الذي إذا ترك خمس أو عشر سنوات ( من دون القيام بالأهتمام اللازم به ) فإنه سيبدو بمظهر قديم نتيجة لفقدان أصباغ البيت ورونقه, ولكن الأهم من كل هذا هو مشاهدة الإنسان نفسه بصمات الزمن على جسده. فمع تقدم العمر تظهر آثار سلبية على مختلف أنحاء جسمه والتي لا يمكن تلافيها ولا إخفاءها مع أن الإنسان يحاول الحفاظ على جسمه من هذه التأثيرات الخارجية المضرة. ولقد ذكر القرآن الكريم هذه التغيرات التي تطرأ على جسم الإنسان خلال فترة زمنية معينة بقوله :
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (سورة الروم 54)

وعند التفكير في وضع الخطط المستقبلية فإن فترة الشيخوخة هي الفترة التي لا تؤخذ في الحسبان في كثير من الأحيان. فالإنسان يحاول بقدر المستطاع الابتعاد عن التفكير في هذه الفترة من عمره التي سيعاني فيها بسبب الشيخوخة من العجز والضعف الجسدي، فنلاحظ الخوف والقلق الذي يعتري الوجوه بين فترة وأخرى عند التكلم حول مثل هذه المواضيع, ولكن سرعان ما ينسون هذه المواضيع وكأن شيئا لم يكن، ويرجعون إلى مزاولة حياتهم الأعتيادية وبشكل طبيعي. ولعل السبب الرئيسي الذي يدفعهم إلى عدم التفكير في شبح الشيخوخة هو أن الشيخوخة تذكرهم بعدم الخلود في هذه الدنيا وبالموت والزوال، ولهذا السبب ومن هذا المنطلق فهم لا يحبذون التفكير كثيراً في مثل هذه المواضيع التي تبدو لهم مزعجة والتي ستواجههم عاجلا ً أم أجلاً. وهم يحسبون بأن العمر أمامهم ما زال طويلاً ولا يزال هناك وقت طويل جداً على الشيخوخة والموت. لقد بين القرآن الكريم وبشكل واضح الوهم الكبير الذي يقع فيه مثل هؤلاء الناس بقوله:
بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمْ الْعُمُرُ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأرض نَنقُصُهَا مِنْ أطرافهَا أَفَهُمْ الْغَالِبُونَ ( الأنبياء 44)

إن الوهم الذي يقع فيه أمثال هؤلاء وهم كبير, لأن كل إنسان مهما كان عمره إذا رجع إلى الوراء فأنه سيلاحظ وجود ذكريات واضحة وذكريات غير واضحة المعالم. ففي فترة الطفولة والشباب حيث مرت به ذكريات وحوادث مؤلمة وسعيدة, كان البعض منها يبعث على الفرح والغبطة, كذلك مرت عليه أوقات كان عليه اتخاذ قرارات حاسمة, وكانت هناك سنوات وجهود أهدرها عند محاولاته الوصول إلى غاياته وأهدافه. كل هذه الذكريات وإن صعب عليه تذكرها بوضوح ستبدو وكأنها لحظات سريعة جداً مرت به. لذا فإن طلب من أحدهم أن يشرح حياته التي عاشها, فسنرى أنه يحتاج إلى بضع ساعات فقط كي يلخصها لنا. إن الوقوف على هذه الحقيقة واستيعابها لا يحتاج سوى إلى بضع ثوان, فمثلاً الشخص الذي عمره 40 عاماً والذي يأمل بالعيش حتى 65 عاماً عليه أن يدرك جيداً أنه كما مضت الأربعون عاماً بهذه السرعة كذلك فالمتبقي وهو 25 عاماً سيمضي بنفس السرعة التي مرت بها الأعوام الأربعون السابقة.

ويمكن قول الشيء نفسه للشخص الذي سيعيش حوالي 90 عاماً. فليس هناك من فرق, لأنه لو كان المتبقي من عمره سنوات طويلة أو قصيرة فإنه في النهاية ستنقضي وتنتهي لا محالة. إن شيخوخة الإنسان ما هي إلا تنبيه بأن هذه الدنيا ما هي إلا محطة انتظار، وأنه مهما عمل فعليه أن يحزم حقائبه ويرحل من غير رجعة إلى دار البقاء الأبدي. لذا يجب على الإنسان أن يكون أكثر واقعية وأن يترك الأحكام المسبقة جانبا, وعليه أن يدرك أولاً أن الزمن يمر بسرعة كبيرة وأن انقضاء كل يوم من حياة الإنسان لا يجعله أكثر شباباً وقوة, بل على العكس هو خطوة أخرى نحو الشيخوخة.

وبإختصار فإن الشيخوخة ما هي إلا دلالة واضحة على عجز الإنسان. ومع تقدم عمر الإنسان تتولد أمارات وعلامات العجز البدني حيث تكون واضحة للعيان.

والقرآن الكريم يتناول العجز والضعف الذي يلف الإنسان وهو يتقدم بخطوات إلى فترة الشيخوخة بقوله تعالى:
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌَ ( سورة النحل 70 )

وبطبيعة الحال فيمكن القول بأن الشيخوخة تمثل فترة الطفولة الثانية، لأن الإنسان في مثل هذه الفترة يحتاج إلى الرعاية والحماية التي يحتاجها الطفل. حيث تظهر في الإنسان في هذه المرحلة صفات بدنية وذهنية تجعله وكأنه عاد إلى فتره الطفولة. فلم يعد يملك تلك القوة والمقدرة على إنجاز الأعمال التي كان يقوى عليها وبكل سهولة في فترة شبابه. وعندما كان شاباً كان يمتلك ذاكرة قوية ومع تقدم العمر سيظهر بشكل طبيعي تراجع وضعف في ذاكرته.

ويمكن الإكثار من سرد هذه الأمثلة وفي كل المواضيع, ولكن كنتيجة نهائية يمكن القول بأن الأنهيار الذهني والجسماني الذي يظهر على الإنسان في فترة زمنية معينة تمثل نوعاً من أنواع الرجوع إلى فترة الطفولة.

وبإختصار يمكن القول بأن الإنسان كما بدأ حياته من فترة الطفولة, فإن حياته تنتهي بعدما يعود كي يمر بهذه الفترة مرة ثانية. ومما لاشك فيه أن هذه الفترة لم تظهر بشكل عشوائي.

إن الله تعالى لو شاء لجعل الإنسان يتمتع بشبابه حتى يدركه الموت، وما جعله يعاني من أي مرض أو عجز جسماني, ولكن الحكمة الإلهية قضت أن يتذكر الإنسان بأن هذه الدنيا فانية وزائلة، وذلك من خلال خلق سلسلة من الأمراض والمشاكل الصحية له.

وفي الوقت نفسه فإن الغاية من إظهار هذه النواقص في الحياة الدنيا هو من أجل زيادة ولعه وشغفه بالآخرة دار البقاء الحقيقية. وقد بينت الآية الكريمة أدناه وبشكل واضح للعيان الحكمة من وصول الإنسان لفترة الشيخوخة وجعل الدنيا زائلة فانية بقوله تعالى :
يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنْ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأرْحَامِ مَا نَشَاءُ إلى أجل مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشدكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الأرض هَامِدَةً فإذا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (سورة الحج 5 )


العوارض البدنية المتأتية من الشيخوخة

مهما كان الإنسان غنيا ومشهورا ً وقوياً فأنه لا يستطيع إن ينقذ جسده من العوارض السلبية التي ستواجهه مع تقدم العمر. حيث يمكن استعراض قسمً من هذه العوارض على النحو التالي:
إن جلد الإنسان يلعب دورا مهما جدا في جماله، فإذا رفعت هذه الطبقة التي يقدر سمكها ببضع ملليمترات سنلاحظ مشهداً غير مفزعا، وبعيداً كل البعد عن أي مقياس من مقاييس الحسن والجمال، وهذا الأمر يشمل كل الكائنات الحية. بل يصل إلى درجة أنه يصعب حتى النظر إلى هذا المنظر، لأن الجلد علاوة على قيامه بوظيفة الحفاظ والحماية لجسم الإنسان فهو يعطي منظراً مستوياً وخالياً من النتوءات والتعرجات, لذا فهو يقوم بوظيفة جمالية مهمة جداً.

وهنا يمكن القول بأن حسن الإنسان الذي طالما يتفاخر به بين أقرانه ما هو إلا كيلوغرامين من الجلد الذي يغطي كل جزء من أجزاء جسده، ويمكن القول بأنه ولحكمة ما فإن أكثر المناطق التي تعاني من التشوه مع تقدم العمر هي جلد الإنسان.

ومع تقدم العمر يبدأ الجلد تدريجيا بفقدان مرونته ويقل سُمكه نتيجة لإنهيار طبقة البروتينيات التي تشكل النواة الرئيسة لتركيبة الجلد، حيث تزداد هشاشته مع تقدم العمر، وهذا يؤدي بالنتيجة إلى ترهل الجلد. لذا فتقدم العمر يؤدي عند الكثير إلى زيادة المخاوف من ظهور التجاعيد والخطوط على الوجه الذي يحدث لنفس الأسباب التي ذكرناها. كذلك ونتيجة لقلة الإفرازات الدهنية - التي تغطي الطبقة الخارجية من الجلد وتمنحها نعومة وطراوة طبيعية - يبدأ الجلد بالتيبس والتقشر, ومع زيادة التيبس يزداد تساقط الطبقة الخارجية من الجلد والذي يؤدي في النهاية إلى سهولة تأثر الجلد بالعوامل الخارجية المحيطة به حيث يسهل اختراقه.
وبالاستناد إلى هذا فإن من الأعراض التي تظهر على الشخص في فترة الشيخوخة هي حكة الجلد، جروح في الأظافر، الأرق. . . الخ, وبنفس الشكل يحدث هدم كبير في الطبقات الداخلية للجلد كما أن آلية تجديد ونقل المواد داخل أنسجة الجلد عند كبار السن تشهد تراجعاً ملحوظاً، ولهذا السبب نلاحظ نشوء الأورام الخبيثة وبشكل مستمر عند كبار السن.

إن متانة العظام تحمل أهمية قصوى من كل النواحي لجسم الإنسان, فكما أنه من السهولة للإنسان الشاب أن يمشي وهو منتصب القامة فإن هذا الشيء يبدو صعباً من الناحية البدنية للشخص المسن. فمع تقدم العمر تبدأ أعراض حدوث إنحناء طبيعي في العمود الفقري, وهذا يحمل في طياته رسالة مفادها أنه حان الوقت لترك جميع أشكال الكبرياء والتعالي جانباً. لأنه من الطبيعي لشخص لا يملك القدرة على الوقوف على قدميه أن يفقد جميع صفات التكبر والتعالي على باقي البشر. فهو لا يستطيع مهما حاول أن يخفي عمن حوله عجزه وضعفه. وفي هذه الأثناء ومع تقدم العمر فإن أعضاء الحواس المختلفة ستبدأ بفقدان فعالياتها تدريجياً لعدم تجدد خلايا الأجهزة العصبية, حيث ينشأ ضعف في أعضاء هذه الحواس. فمع تقدم العمر تفقد العين القدرة على تعيير شدة الضوء مما يقلل قابلية الرؤية وصفاء ووضوح رؤية الألوان، ووضوح شكل الأجسام وأوضاعها. وقوة الإبصار تعد شيئاً في غاية الأهمية ، ولكنها تنخفض مع تقدم العمر. وهذا يعد من الأشياء الصعبة التي يجب أن يتعود عليها كبار السن.

إن مرور الإنسان بفترة الشيخوخة يؤدي إلى فقدان الكثير من المهارات البدنية والذهنية عنده وهذا أمر يسترعي الوقوف عنده وتأمله جلياً. فكما ذكرنا سابقا انه لو شاء الله ما جعل الإنسان يخلق مع هذا العجز والضعف. وقد كان من الممكن إن تتقوى قابلية أعضائه بشكل أكبر وأحسن وكان من الممكن أن تضيف السنين التي قضاها الإنسان في الحياة الدنيا إلى صحته صحة ً أكثر وعلى قوته قوةً أكبر. وكان من الممكن أن تسير الحياة على الدوام مع تقدم السن على نمط التجديد وليس على نمط الهدم والتخريب, إلا إن الحكمة الإلهية اقتضت أن يعيٌر جسم الإنسان ضمن نظام يضعف ويشيخ. فكما إن كل شئ على وجه الأرض مصيره الفناء والاضمحلال فإن المصير نفسه سيلاقي الإنسان على وجه الأرض.

وهكذا يتضح مرة أخرى عدم فائدة هذه الدنيا وعدم استمرارها وسرعة زوالها, وستبدو حياة الدنيا شيئاً تافهاً لا يحمل أي قيمة مقارنة مع حياة الآخرة. ومن الجدير بالذكر أن الله تعالى أكد على هذه الحقيقة وأخبرنا مراراً أن هذه الحياة الدنيا تتسم بالصفات التي تجعلها مؤقتة وغير دائمة، وأمر الإنسان أن يفكر ويتدبر هذا الموضوع، ويستخرج منه الدروس والعبر اللازمة.
إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنْ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأرض مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَ الأنعَامُ حَتَّى إذا أخذ تْ الأرض زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أنهم قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أو نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيات لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ( سورة يونس 24 )

مما تم استعراضه حتى الأن يمكن ملاحظة أن الإنسان بعد ولادته ينمو ويصل إلى عمر معين, وبعد فترة سيصل إلى مرحلة يكون في أوج قوته, عندها يخالجه إحساس بأن هذا الجسم ملك له ويرى نفسه محط أنظار الجميع، ولكن بعد فترة زمنية يفاجأ بأن جميع ما أوتي من قوة وجمال ينتهي ويضمحل لتحل الشيخوخة محلها, وهو حيال هذا الأمر لا يملك أن يفعل أي شئ. لأن الله قد خلق هذه الدنيا على أساس أنها دار فناء, لذلك خلق الإنسان ومعه كل صفات وعلامات الضعف والعجز لكي يجعله يستعد لشد الرحال إلى دار الآخرة.


أمثلة عن الشيخوخة ذات عبر

ذكرنا حقيقة أن الشيخوخة هي مصير الجميع دون استثناء، ولا مفر منها, ولكن الشيخوخة التي تصيب المشهورين الذين يملكون المال والجمال والجاه لها دلالات خاصة, حيث تترك على بقية الناس أثراً كبيراً. ففي المجتمع الجاهلي هناك الكثير ممن يتخذ مثل هؤلاء الناس كقدوة لهم إما لشهرتهم أو مالهم أو لحسنهم, وشيخوخة ومثل هؤلاء الناس وعجزهم يرمز بشكل مهم جداً إلى مدى تفاهة وقصر هذه الدنيا. ويمكن مشاهدة المئات من هذه الأمثلة من حولنا. فيمكن مشاهدة أحد هؤلاء الأشخاص إما في التلفزيون أو في إحدى صفحات الجرائد وهو يعاني من عجز جسدي وذهني فاقدا لحيويته وقوته بعدما كان في يوم ما يتمتع بكامل ذكائه، وكان صاحب بدن صحيح وجميل بحيث أو صله إلى عالم الشهرة والأضواء. طبعا إن مثل هذا الشيء هو مصير جميع البشر، ولكن الأمر هنا يختلف لكون مثل هؤلاء الناس لهم مكانة خاصة جدا في عقول الناس وان مشاهدتهم بهذه الصورة من العجز والشيخوخة سوف تترك أثراً لا يمحى في ذاكرة الناس.
وفي الصفحات الآتية سنقدم أمثلة على مثل هؤلاء الناس وسنرى بأنهم مهما كانوا مشهورين، ومهما اتصفوا بالحسن والشباب في يوم من الأيام فإن مصيرهم هو الشيخوخة التي لا مفر منها.

تم تعديل هذه المشاركة بواسطة نور عينى: 19/03/2009 - 12:13 ه

  • 0

صورة



أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم و أتوب إليه


#11 أخــ نورعيني ــوكم

أخــ نورعيني ــوكم

    نور عيني يا رسول الله

  • فرسان لهم بصمات
  • 2,223 مشاركة
  • الجنس:ذكر
  • الدولة:كل بلاد الإسلام أوطاني
  • الهوايات:• القراءة
    • الشعر
    • الإنترنت
    • رياضة المشي

تاريخ المشاركة 19/03/2009 - 12:24 ه

السلام عليكــم ورحمـة الله وبركاتــه ،،
الجزأ السادس


موت الإنسان

هل انتم تدركون بأنكم في كل يوم تقتربون شيئاً فشيئاً من الموت ؟

هل تعلمون بأن الموت قريب جدا منكم كباقي البشر ؟


كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ( سورة العنكبوت 57 )

هذه الآية التي تذكر بأن الذين عاشوا على وجه الأرض والذين يعيشون الآن والذين سيعيشون في الغد دون استثناء قد ماتوا أو سيموتون. ولكن رغم هذه الحقيقة الواضحة، فالغريب أن أكثر الناس يرون أنفسهم بمنأى عن هذه الحقيقة الثابتة.
دعونا نتأمل هذا المثال لشخصين:الأول يولد ويفتح عينيه ويستقبل الدنيا، والثاني يغمض عينيه للمرة الأخيرة ليودع هذه الدنيا. فلا الوليد الذي ولد استطاع أن يتدخل في ولادته، ولا الشخص الذي مات استطاع التدخل في موته. لأن الله وحده الذي يملك هذه المقدرة والقوة، يخلق من يشاء ويقبض روح من يشاء. فكل البشر خلقوا ليعيشوا لزمن معين، وبعدها سيموتون.

وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة بقوله:
قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فإنه ملَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ(سورة الجمعة 8 )
فأكثر من الناس لا يرغبون في التفكير في الموت كثيراً، في نفس الوقت نرى انشغال الإنسان بأعماله اليومية يلهيه ويدفعه للتفكير بأشياء أخرى. فأمور مثل: في أي مدرسة سيدرس، وفي أي عمل سيشتغل، ماذا سيلبس، ماذا سيأكل. . . الخ. كل هذه الأشياء تعتبر من أهم القضايا عند معظم الناس، لأنهم يحسبون أن الحياة عبارة عن مثل هذه الأشياء فقط، وعند ذكر الموت أمامهم يحاولون التهرب والاختباء خلف كلمات لا تحمل أي معنى ولا تستطيع منع الموت أو تأخيره فيقولون مثلا: ( ما هذا ؟.. لماذا لا تبدأ كلامك بالخير؟) وهم يقدرون أنهم لن يموتوا إلا بعد وقت طويل من الشيخوخة، أي يحسبون أن هناك مدة لا تقل عن خمسين أو ستين سنة أو حتى أكثر، لذا نراهم لا يشغلون أنفسهم بمثل هذه المواضيع الكئيبة التي تنفر منها نفوسهم، بينما لا يملك أي أحد أي ضمان بأنه سيعيش بعد ثانية واحدة فقط.

في كل يوم يمكن لكل شخص أن يقرأ كل شخص في الصحف ويرى من خلال شاشات التلفزيون العديد من حوادث الموت وبشكل كثيف, ويشاهد وفاة الأقرباء, ولكنه لا يفكر أنه في يوم ما سيشهد الناس موته ونهاية حياته. وعندما يواجه الإنسان الموت فإن جميع الحقائق والأمور المرتبطة بالحياة ستنهار، ولا يبقى منها شيء. فكروا الآن في حالكم. . . . فتح وغلق أعينكم، القدرة على الحركة في أجسامكم، تكلمكم، ضحككم وبإختصار كل فعالياتكم الحيوية، ولكن حاولوا أن تجسدوا أمام أعينكم منظركم وبأي حال ستكونون عقب وفاتكم.

ستكونون في وضع لا تقدرون فيه على الحركة حيث ستتمددون وانتم لا تدركون ماذا يجري من حولكم، أما جسدكم الذي هو عبارة عن كتلة من اللحم والعظم فسيحمل من قبل أشخاص آخرين. فبينما يقوم أحدهم بغسل جسدكم لكي يكفن بالكفن الأبيض فإن المقبرة التي سيوضع فيها تابوتكم يتم حفرها وإعدادها لكم، حيث يوضع جسدكم في تابوت خشبي, وبعد الانتهاء من المراسيم في الجامع سيذهبون بكم إلى المقبرة، وسيكتب على لوح حجري أسمكم وتاريخ ولادتكم ووفاتكم، بعدها تخرجون من التابوت وتوضعون مع الكفن داخل تلك الحفرة، وبعدها ينهال التراب على الحفرة وتنتهي المراسيم بعدما يغطيكم التراب بشكل كامل. في البداية تكون الزيارات متعددة لقبركم, ثم تصبح زيارة واحدة في السنة، ومن بعدها ستنقطع هذه الزيارات. وعلاوة على هذا لن يكون لديكم خبرٌ أو أي علم عن هذه الزيارات.

سيغدو فراشكم وغرفتكم التي استعملتموها لسنين عديدة فارغة، وكذلك سيتم توزيع ممتلكاتكم الشخصية والخاصة لجهات مختلفة. سيذهب أقرباؤكم إلى دائرة الأحوال المدنية للتبليغ عن وفاتكم، وبالتالي مسح أسمكم من هذه الدنيا. سيكون هناك من سيبكي من خلفكم وستكونون في ذاكرتهم، ولكن مع تقدم الأيام والسنين فإن عامل النسيان يزداد تأثيره, لذلك فبعد مرور عشر سنين فلن يظل هناك من يتذكركم على الرغم من هذه السنين الطويلة التي عشتموها معاً. ومع هذا يجب إدراك حقيقة أن الذين تركتموهم من ورائكم من أقرباء وأصدقاء سيبدأون في ترك هذه الدنيا تدريجيا, لهذا فإن بقاء ذكراكم أو عدم بقائه لا يشكل أي معنى أو أي أهمية .

وبينما يتم كل هذا في الدنيا، فإن جسدكم سيمر وبشكل سريع بمرحلة التفسخ والانحلال. فعند دفنكم في التراب تبدأ البكتيريا والحشرات الأرضية مباشرة بمهامها. وتؤدي الغازات المتراكمة في البطن إلى انتفاخ الجسم، وينتشر هذا الانتفاخ إلى سائر أجزاء الجسم حتى يصل الجسم إلى حالة يصعب معها التعرف عليه. ونتيجة للضغط المتولد من هذه الغازات سيندفع الدم من فمك وأنفك بشكل رغوة دموية, ومع تقدم عملية تفسخ الجسد فإن كلا من الأظافر والشعر وراحة اليد وباطن القدم ينفصلون شيئا فشيئا عن أماكنهم. وبالإضافة إلى التغيرات التي تطرأ على المظهر الخارجي للجسد فإن الأعضاء الداخلية تمر أيضاً بعملية التفسخ و الانحلال.

نأتي الآن إلى النقطة التي تعتبر أفظع حادثة: إن البطن سينفجر من إحدى المناطق الأكثر ضعفاً نتيجة لامتلائه بالغازات، حيث ستنبعث رائحة كريهة يصعب تحملها. وخلال هذه الفترة أيضاً تبدأ عملية انفصال أجزاء الجسم الأخرى ابتداءًً من منطقة الرأس، حيث تبدأ العضلات بالانفصال من أماكنها، ويبدأ الجلد والمناطق الهشة من الجسد بالتساقط, ونتيجة لهذا يبدأ الهيكل العظمي بالظهور تدريجياً, ويأخذ الدماغ بعد تفسخه تماما منظر التراب أو الصلصال، وتبدأ مناطق اتصال العظام بالتفكك والانفصال, ويتبعها انفصال أجزاء الهيكل العظمي, وهكذا تستمر هذه العملياث حيث يتحول الجسد بكامله إلى كومة من العظام والتراب. وهكذا لا يمكن الرجوع ولو لثانية واحدة للحياة قبل الموت ومشاهدة العائلة، أو أي لقاء مع الأصدقاء والأحبة من أجل التسامر. ولن يبقى أمامه فرصة اعتلاء المناصب العليا، لأن جسده سيتفسخ ويتحول إلى هيكل عظمي. والخلاصة أن الجسد الذي نحسب أنه هو جوهرنا ينتظره مصير مرعب وهو الفناء، ولكن الروح يبقى، وهذا الروح سيكون قد ترك ورحل عن هذا الجسد. أما هذا الجسد الذي تركته وراءك فسيتحلل ويتفسخ بشكل مخيف.

حسنا!. . . ما سبب كل هذا ؟

لو أراد الله ما جعل جسد الإنسان بعد موته يصل إلى هذه الحالة المزرية, ولكن هناك معنى كبيرا ومغزى عميقا لهذا الأمر. قبل كل شي على الإنسان أن يعلم أنه ليس عبارة عن جسد فقط, وأن هذا الجسد قد أعطى له كهيكل خارجي, فعليه أن يفهم هذا عندما ينظر إلى هذا المصير المرعب, ويعلم أن له وجوداً يتجاوز هذا البدن. وأن ينظر الإنسان ويتدبر مصير موت جسده الذي طالما انحنى أمام شهواته ونزواته، وكأنه سيعيش ببدنه هذا إلى الأبد. وأن هذا الجسد لا بد له في يوم ما أن يدفن تحت التراب، ويتفسخ ويتحلل، وتأكله الديدان، ويتحول إلى هيكل عظمي, ولربما لا يكون هذا اليوم ببعيد، بل قد يكون على بعد خطوة واحدة قادمة فقط.
على الرغم من كل هذه الحقائق فإن هناك ميلا في روح الإنسان للرفض وعدم التفكير في القضايا التي تنفر منها نفسه ولاتميل إليها. وتتوضح هذه الحقيقة بصورة جلية عندما يتعلق الأمر في موضوع الموت. وكما ذكرنا سابقا فإن الموت يتذكر عند مرور الذكرى السنوية الأولى لأحدهم إن كان من الأقرباء أو الأصدقاء، ولكن الأغلبية من الناس ترى الموت شيئاً بعيداً عنهم على الدوام. فهل للإنسان الذي يستبعد الموت وضع يختلف عن الذي يموت وهو يمشي في الطريق؟ أو من الذي يموت وهو نائم في فراشه ؟ أم يحسب نفسه أكثر شباباً وأنه سيعيش لسنين طويلة ؟ نفس هذه الأفكار نفسها ستكون قد وردت إلى ذهن أحدهم وهو يمشي في الطريق لكي يصل إلى مدرسته, أو شخص تأخر في الوصول إلى اجتماع مهم في شركة فاضطر إلى قيادة السيارة بسرعة عالية مما تسبب في وقوع حادث مروري له, أو شخص أصيب بمرض لم يكن ينتظره وفي وقت غير متوقع. وسيصاب قراء الجرائد بذهول وهم يطالعون خبر وفاة شخص كان بالأمس فقط برفقتهم. ومن الغريب أنه قد لا يخطر على بال أحدهم احتمال تعرضه للموت بعد فترة قصيرة من قراءته هذا الخبر على الرغم من وجود الكثير من الأعمال التي يجب إنجازها وإكمالها من قبله والتي بسببها قد يعتقد أن الموت مازال مبكرا ولم يحن وقته بعد. قد يكون نمط تفكيرهم هذا هو السبب. ولكن هذا يعني الهروب من الحقيقة. ويذكر الله تعالى عدم جدوى هذا الهروب :
قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمْ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنْ الْمَوْتِ أو الْقَتْلِ وَ إذا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا (سورة الأحزاب 16)

ويجب ألا يغيب عن بالنا بأن الإنسان جاء إلى الدنيا عارياً وسيغادرها عارياً، ولكن بعد ولادته فإنه من أجل قضاء حاجاته يقوم باستعمال هذه النعم المسخّرة له بشكل مسرف وجاهل، وينقلب موضوع الظفر بهذه الحاجات إلى أهم غاية في حياته. بينما من المعروف أنه لا يأخذ معه عند موته ما كان يملكه من ثروات ونقود، بل مجرد قطعة قماش بيضاء طولها بضعة أمتار حتى يدفن فيها.
( ولد الإنسان عاريا وسيغادرها عاريا)، فالشيء الوحيد الذي سيرافقه في الآخرة هو عمله وإيمانه أو عدم إيمانه.


زينة الحياة الدنيا

يسعى الإنسان طوال حياته لتحقيق أهداف وغايات منها ماهو مادي ومنها ماهو معنوي. مثل الغنى والمال والمركز الاجتماعي وزوجة وأولاد. وهي تعتبر من الزينات التي لا يستطيع الإنسان التخلي عنها في هذه الحياة, فجميع الطاقات والجهود توجه من أجل الحصول على هذه الأشياء.

وعلى الرغم من معرفة الإنسان أن كل هذه الأشياء تأتى وتذهب، وأن كل شئ على وجه الأرض يفقد قيمته ويبلى مع الزمن، بل ويفنى. . . على الرغم من كل هذا فإن الإنسان يظل مرتبطاً بشدة بهذه الأشياء، ولا يستطيع التخلي عنها بسهولة. فعلى الرغم من معرفتهم إن أغراضهم وممتلكاتهم ستبلى وأن مزارعهم لن تبقى دائما بنفس الخصوبة, وأن زوجته التي طالما كأن يوليها كل الاهتمام سيأتي يوم تفقد فيه جمالها وحسنها، والأهم من كل هذا وعلى الرغم من كل هذا فهو يعرف أنه سيأتي يوم يترك فيه كل ما كان يملكه وسيرحل إلى غير رجعة،. . . مع كل هذا فإنه يظل مرتبطاً بزينة الحياة بهذا الشكل القوي.
سيدرك هؤلاء بعد موتهم أنهم قضوا حياتهم في سبيل الحصول على شئ واحد فقط, وأنهم خدعوا بهذه الدنيا التي سحرتهم وبهرتهم بزينتها وجاذبيتها الزائلة, وأنهم قد أعطوا للأشياء الفانية قيمةً أكبر مما تستحق. وسيدركون أن ما كان يجب عليهم أن يعملوه في الدنيا هو إظهار العبودية لله تعالى وليس الانشغال عنه واللهث وراء ماكانوا يظنونه ملكا وحاجة من حاجاتهم, بينما الله تعالى هو المالك الحقيقي لهذه الأشياء, والقرآن الكريم يشير إلى هذه الرغبة الملحة في تملك زينة الحياة الدنيا بقوله :
(زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَ الأنعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ) (آل عمران 14 )

فجميع القيم الدنيوية من ثروة وزوجة وأولاد وتجارة تحاول أن تلهي الإنسان عن الله عز وجل وعن الآخرة, وتغريه كي يعيش فقط من أجل الدنيا. لكن الذين يدركون عظمة الله ويقدرونها حق قدرها يعلمون أن كل شيء في الدنيا متاع زائل، وما هو إلا وسيلة امتحان للإنسان وأختبار له, ويعلمون بأن واجبهم هو القيام بوظيفة العبودية والحمد والشكر لربهم الذي وهب لهم جميع هذه النعم والخيرات, بينما الذين لا يؤمنون بالله حق الإيمان يتعلقون بأهداب الدنيا تعلقاً شديداً يؤدي بهم إلى ضعف إدراكهم وتمييزهم للأمور، وهذا يؤدي بهم إلى اعتبار أن هذه الدنيا -بكل ما فيها من نواقص - وكل القيم المتعلقة بها أشياء مهمة, رغم أن الله تعالى وعد الإنسان بإعطائه أشياء أفضل وأثمن وأجمل وأحسن في دار الآخرة, ونبهه إلى أنه لكي يحصل على هذه النعم والعطايا الأخروية فما عليه سوى القيام بوظيفة العبودية كما يجب والعمل على كسب رضاه. لكن الغريب أن الإنسان يحول نظره إلى الدنيا ويركز اهتمامه عليها قانعاً بما تحويها من نعم زائلة! وحتى لو كان ذلك الشخص لا يؤمن بتاتاً بأي دين, وحتى لو كان ملحداً فإن عليه -على الأقل- أن يضع في حسبانه احتمال أن يبعث بعد الموت, وهذا الأمر ينبغي أن يدفعه كي يتصرف بطريقة عقلانية أكثر. أمّا المؤمنون فهم على قناعة كاملة بأن ذلك البعث ليس مجرد احتمال، بل هو حقيقة ثابتة لا شك فيها. ولكونهم يعُون هذه الحقيقة ويدركونها حق الإدراك فهم يجتهدون طوال حياتهم للابتعاد عن الأعمال التي توصلهم إلى جهنم, وفي الوقت نفسه يسعون بكل جهدهم في سبيل الظفر بالجنة. فهم يعلمون بأن الذين يقضون حياتهم في سبيل مصالحهم ومتعهم الدنيوية ويضعون جل جهدهم في هذا السبيل سوف يصابون يوم القيامة بخيبة أمل شديدة تبعث على ندم كبير وحسرة أليمة.

فما جمعه من مال وما كنزه من ذهب ونقود في البنوك, وما اشتراه من بيوت وأراض وسيارات لن تكون له طوق نجاة يوم القيامة, ولن تحميه ولن تحمي عائلته ولا عشيرته التي كانت دوما مصدر ثقته, بل إن جميع هؤلاء سوف يديرون وجوههم عنه. لكن ورغم كل هذه الحقائق يظل الكثير من البشر يرون أنه لا بديل عن هذا النّوع من الحياة، ويستمرون في ارتباطهم الأعمى بالدنيا متجاهلين الآخرة. ولقد بين القرآن الكريم هذه الحقيقة بقوله تعالى:
أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُر حَتَّى زُرْتُمْ الْمَقَابِرَ (سورة التكاثر 1 – 2)

ما تم استعراضه حتى الآن من وسائل الزينة والإغراء ما هي إلا إحدى خفايا الامتحان,
فلقد خلق الله الإنسان ومنحه جميع الخيرات التي يحتاج إليها، وهي خيرات مغرية وجذابة. ولكن هذه الحياة الدنيا مؤقتة وقصيرة في الآن نفسه، وهي تمكن الإنسان من عقد مقارنة بين الحياتين (بين حياة الدنيا وبين حياة الجنة)، وهنا يكمن السر. فالحقيقة أن حياة الدنيا جميلة جداً، وعظيمة ومتنوعة تليق بعظمة الله. فالعيش فيها والتمتع بها من النعم التي ترجى من الله, لكنها لن تكون بحال من الأحوال أهم من الآخرة وأهمّ من كسب رضى الله تعالى, ولهذا يجب على البشر ألا ينسوا الغاية من هذه النعم وهم يتمتعون بها, والله تعالى يحذر الإنسان في القرآن الكريم بقوله:
وَمَا أوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ
( سورة القصاص 60 )

أجل!… نرى البشر متعلقين بالقيم الدنيوية وغافلين عن الآخرة، ولكن ثمة حقيقة أخرى مهمة يتناسونها وهي أن ارتباطهم بالمباهج الدّنوية وسعيهم المستمر من أجل الحصول على هذه المتع لا يمنحهم في هذه الدنيا السعادة الحقيقية. ويرجع السبب في هذا إلى النفس البشرية التي لا تقنع بما لديها أبدا، بل تحاول باستمرار وبمختلف الوسائل الحصول على الأفضل والأحسن, فالإنسان يحاول باستمرار أن يحصل على الأفضل، ولكنه لا يمكن أن يحصل على جميع مايريد نظراً لطبيعة هذه الدنيا. لأنه مهما امتلك من أشياء, فإن هناك بالتأكيد أشياء أفضل وأحسن وأجمل مما يملكه، لذا فالإنسان في هذه الدنيا لا يستطيع الحصول على الطمأنينة وراحة البال التامة.


هل الغنى الحقيقي في هذه الدنيا؟

يعتقد الكثير من الناس بأنه يمكنهم أن يؤمنوا لأنفسهم حياةً مثالية رائعة خالية من النواقص، تلبي احتياجاتهم إذا صرفوا جهداً أكبر، وحاولوا تحقيق أهدافهم بشكل جدي، وهم يتصورون أن الثروات والإمكانيات المادية تلعب دوراً رئيسياً في تحقيق هذا, وبذلك يمكنهم أن ينشئوا عائلة سعيدة، ويعيشوا حياة مريحة, ويكسبوا مركزاً اجتماعياً جيداً ومكانة عالية بين الناس. وفي الحقيقة فإن إهدار الإنسان لعمره، وصرفه أكثر وقته في سبيل تحقيق هذه الأهداف هو خطاً كبير. فالناس يتناسون تماماً الحياة الأبدية الحقيقية ألا وهي الآخرة، لأنهم قضوا أعمارهم في هذه الحياة الدنيا وهم يفكرون فقط في راحتهم وسعادتهم.
فعلى الرغم من أن أهم وظائفهم هي العبودية التامة لله تعالى, نراهم وقد أنشغلوا بهذه الدنيا, ونراهم يغفلون عن شكر الله تعالى -الذي خلقهم ومنحهم هذا الغنى والمال - على هذه النعم ويجعلون جل هدفهم كسب رضى الآخرين واستحسانهم. بينما بيٌن الله في قرآنه الكريم بأن القيم الدنيوية زائلة وخادعة وليست لها أهمية كبيرة:

اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَ الأولاد كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخرة عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ(سورة الحديد 20)

فالخطأ الذي يقع فيه الكثير من البشر هو اعتقادهم بأن الآخرة شيء بعيد, أو عدم إيمانهم أصلاً بوجودها مما يجعلهم يعتبرون أنّ الدنيا "أرفع مكانة ً وأسمى من الآخرة, وهؤلاء الأشخاص يتوهّمون عدم فناء الثراء الذي حصلوا عليه, وهم بذلك يعرضون صورة واضحة للجهل والتكبر عند تحويل وجوههم عن النعم التي وعدها الله تعالى لهم في الآخرة مكتفين بما لديهم من متاع زائل. ولقد عرفّ الله تعالى في قرآنه الكريم أحوال مثل هؤلاء الناس ومصيرهم بقوله :
إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ أولئك مَأْوَاهم النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(سورة يونس 7-8 )

لقد ظهرت أمثال هذه الحالة النفسية طوال التاريخ، فمنذ القدم كان الملوك و الأمراء والحكام والفراعنة يحسبون بأن الغنى سيجعلهم يعيشون مخلدين، حتى أن البعض منهم كان يدفن جزءً من ماله في قبره، وذلك لعدم إعطائهم أي احتمال لوجود قيمة أعلى من قيمة النقود والأموال التي يملكونها, وقد توهّم بعض الناس بأن هؤلاء الأشخاص هم في الطريق الصحيح وظنوا بأنهم هم الفائزون.
والحقيقة أن أمثال هؤلاء الناس الذين يبدو أنهم قضوا حياتهم وهم يتمتعون بها قد واجهتهم نهاية غير النهاية التي كانوا يتوقعونها,

والقرآن الكريم يخبرنا عن أمثال هؤلاء فيقول:
أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَا يَشْعُرُونَ (سورة المؤمنون 55-56)
فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أولادهم إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أنفسهم وَهُمْ كَافِرُونَ (سورة توبة 55 )
لكن هناك شيئا مهما يجب ألا يغيب في أي وقت عن أذهان هؤلاء الأشخاص، وهي أن الغنى كله ملك لله تعالى وحده، وأن صاحب الملك الحقيقي هو الله تعالى وهو يوزع حصصاً من ملكه على من يشاء من عباده. وفي مقابل هذه النعم يريد من عباده أن يشكروه، وأن يؤدوا له فروض العبودية على الوجه الصحيح, لذا فإن الشخص الذي منحه الله الغنى لا يستطيع أحد أن يسلبه منه, كما لا يستطيع أي أحد أن يعاونه ويساعده على استعادة ثروته إلا هو، وكل هذا عبارة عن جزء من طبيعة الابتلاء الذي جعله الله للعباد في هذه الدنيا. والمؤمن الواعي والعاقل يدرك هذا الأمر، بينما الشخص الغافل هو الذي ينسى أنه سيأتي يوم يقدم فيه حسابه للذي خلقه :
اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخرة إِلَّا مَتَاعٌ (سورة الرعد 26 )

تم تعديل هذه المشاركة بواسطة نور عينى: 19/03/2009 - 12:25 ه

  • 0

صورة



أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم و أتوب إليه


#12 أخــ نورعيني ــوكم

أخــ نورعيني ــوكم

    نور عيني يا رسول الله

  • فرسان لهم بصمات
  • 2,223 مشاركة
  • الجنس:ذكر
  • الدولة:كل بلاد الإسلام أوطاني
  • الهوايات:• القراءة
    • الشعر
    • الإنترنت
    • رياضة المشي

تاريخ المشاركة 19/03/2009 - 12:32 ه

السلام عليكــم ورحمـة الله وبركاتــه ،،
الجزأ السابع



هل الغنى والمكانة الاجتماعية في هذه الدنيا مهمة حقا؟


يحسب الكثير من الناس أنهم إن أكملوا نواقص مطالب العيش فإنهم سوف يجنون من هذه الدنيا حياة مثالية خالية من العيوب. وعلى هذا الأساس فإنهم بعد أن يملكوا أسباب الغنى التي طالما حلموا بها سوف تكسبهم تقديرا ومكانة في المجتمع، بالإضافة إلى السعادة التي تغمرهم بفضل ذلك النعيم. والحال أن الشخص الذي ينسى الله واليوم الآخر لن يعيش الحياة التي طالما حلم بها وتمنى أن يعيشها، لأنه سيحاول الحصول على المزيد وعلى الأحسن مما يملك بعدما حصل في البداية على مطالبه الأولى. سوف يحصل على المال ولكن لن يكتفي بشيء منه، وسيعمل من أجل الظفر بالمزيد منه. سيملك بيتاً ولكنه سيرى بالتأكيد بيتاً أجمل من الذي يملكه، لذا سيبذل المزيد من الجهد لكي يحصل عليه. ومع تغير ذوقه سنويا فإنه سوف يسعى لتغيير أثاث بيته وديكوره, وكذلك شراء الملابس الجميلة، لهذا فالآية الكريمة توضح بجلاء الحالة النفسية لمثل هؤلاء المنكرين :

ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا وَبَنِينَ شُهُودًا وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (سورة المدثر 11 – 15 )

فعلى الشخص العاقل أن يفكر تفكيرا سليما: فالذي يملك عدداً كبيراً من البيوت ويملك أحدث السيارات، والذي يملك أكبر قدر من الملابس, وباختصار؛ فحتى لو كان أغنى إنسان، فإنه سيكون محددا بلبس ملابسه، وباستعمال سيارته. فالشخص وإن كان لديه قصر فاره، فهو لا يستطيع أن يسكن في غرفه العديدة في آن واحد، ويأكل في قاعاته كلها في لحظة واحدة. أو الذي يملك أجمل الملابس ترى كم قطعة من هذه القطع يمكن أن يلبسها فوق بعضها البعض في آن واحد ؟. وإذا نظرنا إلى حياة هؤلاء الناس نرى أنّ الذي يملك قصراً كبيراً وواسعاً ومتكونا من عشرات الغرف لا يمكنه استعمال جميع الغرف فلا يتسنى له سوى السكن في غرفة واحدة أو في غرفتين أو ثلاث فقط. وحتى لو كانت خزانة الملابس مليئة بمختلف أنواع الملابس, فإنه لا يسعه سوى ارتداء بدلة واحدة. وحتى لو كانوا يملكون آلاف الأنواع من الأطعمة التي خلقها الله فإنه لا يسعهم سوى أكل وجبة أو ثلاثة وجبات، ولو حاولوا أكل المزيد من الطعام فسيتحول هذا إلى عذاب. ويمكن الإكثار من سرد مثل هذه الأمثلة.

ولكن مما لاشك فيه أن هناك أمرا مهما يتمثل في أن تقدم الإنسان في العمر، وتوجهه بسرعة إلى النهاية الحتمية التي لا مفر منها يصبح مانعاً أمام استمرار تلذذ الشخص بكل هذه الطيبات. ولكن الشخص الغافل يظل طوال حياته غير مدرك لهذه الحقيقة، ويحسب أن ماله سيخلده ( سورة الهمزة 3).

إن أمثال هؤلاء الأشخاص يكونون مرتبطين بشكل أعمى بمثل هذا الاعتقاد المنحرف حتى أنهم يوم الحساب وأمام رب العالمين عندما يرون أن العذاب واقع بهم لا محالة سيعرضون ما يملكونه فداء لأنفسهم، بل يكونون مستعدين لأن يفتدوا بأولادهم وبأزواجهم، بل حتى بعشيرتهم لتخليص أنفسهم, ولكن بالطبع فإن يوم الحساب قد أزف، ولن ينفعهم أي شئ، ولن يقبل منهم أي شئ بعد الآن :

يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْويهِ وَمَنْ فِي الأرض جَمِيعًا ثُمَّ يُنجِيهِ كَلَّا إنها لَظَى نَزَّاعَةً لِلشَّوَى ( سورة المعراج 11- 15 )

لذلك فإن الذين يدركون بأن كل الغنى عائد لله سبحانه وتعالى, ويدركون بأن ما جمعوه من مال ومركز اجتماعي سيظل في هذه الدنيا الزائلة، لذا لا يجرون خلفها في أي وقت بهذا الشكل المحموم, كما لن يشعروا بالغرور عندما يملكون أسباب الغنى، ولا ينسون ربهم, ويقومون بشكر وحمد الله على هذه النعم، ويكتفون بما لديهم من مال. وقد وعد الله تعالى مثل هؤلاء الناس الذين لا يرتبطون بالأطماع الدنيوية بحياة كريمة ومريحة.

إن الذين يقدرون الله حق قدره، ويؤمنون به يدركون جيدا زوال هذه الدنيا, وأن المال والموقع لا يؤمن لصاحبه إلا منفعة وفائدة مؤقتة، لذا يدركون أنه لا وجه للمقارنة أبدا بين هذه الحياة الدنيا الزائلة وبين الحياة الأبدية في دار الآخرة.

لذلك فإن الشخص المؤمن الذي يملك مقومات الغنى لا يستعمل هذه المقومات من أجل ظلم الناس وسلب حقوقهم, ولا تجعله أسباب الغنى مرتبطا بشكل أكبر بهذه الدنيا، بل على العكس تجعله يقترب أكثر من الله تعالى فيحمده ويشكره على هذه النعم. وهو لا يأكل حق أحد, ويحاول جهده استثمار هذه الأموال في أعمال الخير, ويعرف بأن الرتبة العالية، والمكانة اللائقة به هي عند الله عز وجل. لذا فبدلاً من الجري خلف غنى دنيوي سوف يهتم بالتخلق بالأخلاق الرفيعة، والعيش بهذه الأخلاق من أجل كسب الغنى الحقيقي في يوم الآخرة. ولعل أجمل مثال لنا في هذا الخصوص هو تصرف سيدنا سليمان عليه السلام، فعلى الرغم من حصوله بفضل الله تعالى على غنى كبير، وملك عظيم، فإن سيدنا سليمان عليه السلام يبين لنا بوضوح غايته من طلب هذا الغنى :
فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ ( سورة ص 32 )


فالذين لا يملكون مثل هذا الإدراك يعتبرون أنه لا قيمة لما ربحوه، بل يعتبرون أن جميع ما لديهم من مال وثروة شيء قليل لا يشبع نهمهم. ولعله يغيب عن بالهم بأنهم لن يستطيعوا استخدام هذه الثروة التي حصلوا عليها أكثر من 60 – إلى 70 سنة. وينسون حقيقة بأنه سيأتي يوم يتركون وراءهم في الدنيا كلا من أولادهم وبيوتهم وسياراتهم، وجميع ثرواتهم وسوف يموتون ويدفنون تحت التراب.

ومع ذلك يمضون عمرهم وهم يلهثون للوصول إلى الشهرة وإلى الغنى الذي يطمحون في الحصول عليه, وعليه فإن الشخص الذي ينسى خالقه رب العالمين معتقدا بأن أمواله ستكون مصدر أمنه وخلاصه وسعادته فإنه في النهاية سيلاقي الخسران في الدنيا والآخرة :

أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ
(سورة آل عمران 10 )

ويوضح القرآن الكريم الشخص الذي تنحصر غايته في جمع المال وعده:
يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ إنها عَلَيْهِمْ مُوصَدَة فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ(سورة الهمزة 2- 9 )

إن إدراك المعنى الحقيقي للغنى - الذي يدركه المؤمنون -يجعلهم لا يعيرون اهتماما كبيرا لزينة الدنيا, ولا يعطونها أكبر من حجمها, ويدركون أن كل شئ هو من عند الله تعالى, وهم الذين يختارون حياة الآخرة, ويفضلونها على هذه الدنيا الزائلة. إن المؤمنين الذين فضلوا شراء الآخرة عن حياة الدنيا هم ولاشك قد اختاروا الغنى الأبدي والتجارة الرابحة. وهذه الحقيقة قد ذكرها القرآن الكريم:
إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أنفسهم وَأَمْوَالَهُمْ بأن لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَ الإنجِيلِ والقرآن وَمَنْ أو فَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( سورة التوبة 111 )
والذين يهملون هذه الحقيقة ويرتبطون بشكل وثيق بهذه الدنيا سوف يرون بجلاء من سيكون هو الرابح الحقيقي.


الزواج


لعل من أهم المواضيع التي تربط الإنسان بالحياة الدنيا هي الزواج, ولعل من أهم الأهداف التي ينشدها كل شاب و فتاة هو إنشاء زواج ناجح, ولهذا السبب فإن الإنسان يبدأ وهو في مطلع شبابه بوضع هدف البحث عن نصفه الثاني. ولكن نرى الآن في مجتمع الجاهلية أن العلاقات التي تربط الرجل والمرأة تكون مبنية على أسس خاطئة ومنحرفة. وأن هذه العلاقات تكون مبنية على أساس الرومانسية والعواطف والمنافع المتبادلة. بالأخص فإن ما تأمله النساء في أغلب الأحيان هو الحصول على زوج غني، حيث نلاحظ أن هناك من الفتيات من تسعى في هذا السبيل وتتزوج من رجل حتى وإن كانت لا تحبه، وكذلك نجد في الوقت نفسه شابا يختار شريكة حياته لكونها تمتلك جسماً جميلا. ولكن أفراد مجتمع الجاهلية هذا قد غابت عن أعينهم حقيقة مهمة ألا وهي أن جميع ما يتعلق بالخواص المادية لأي شئ يمكن أن ينتهي ويتلاشى، وأن الله تعالى قادر في أي لحظة على سلب ممتلكات أي شخص وغناه, وأن جميع الصفات الجسمانية الجميلة سيأتي يوم تنتهي فيه وتتلاشى. وأن الصفات مثل الصحة والقوة والجمال سينتهي بعد الزواج عاجلا أم آجلا خلال فترة الشيخوخة إلى غير رجعة, ولا يمكن اكتسابها مجدداً.

وفي بعض الأحيان ليس شرطاً انتظار مرور الأعوام لكي يشيخ المرء, بل يمكن أن يتعرض هذا الشخص إلى حادث كأن يتعوق أو يصاب بالشلل أو يصاب بمرض قاتل.

ترى ماذا سيحصل لهذا النظام المبني على أسس ومنافع مادية؟ على سبيل المثال، ماذا سيعمل رجل تزوج من امرأة من أجل حسنها وجمال وجهها، ثم فقدت زوجته هذه حسنها وجمالها نتيجة لتعرضها لحادث, أو فقدته لتقدم عمرها إذ تبدأ مظاهر الكبر في تغيير ملامح وجهها.

سيدرك لا محالة أن زواجه الذي كان من أهم غاياته في الحياة قد أسس على دعائم خاطئة. ما نريد قوله هنا هو أن الزواج لكي يكون ناجحاً يجب أن يكون مبنياً على أسس وٍدعائم صحيحة متى ما كانت غايته الوحيدة هو كسب رضى الله تعالى, ومتى ما كان باستقامة الأحكام والقواعد التي وضعها الله تعالى, وأي اتجاه أو العمل بعكس هذا لن يمنح ذلك الفرد السعادة والاستقرار لا في الدنيا ولا في الآخرة. وفي يوم الآخرة سيدرك هذا الشخص الذي أسس حياته وخططها وفق نظام دنيوي ومادي بحت، وضحى بكل حياته في هذه السبيل. . . سيدرك مدى تفاهتها وقصرها, ولكن الوقت سيكون قد فات عند إدراك هذه الحقيقة.
ونراه يتهرب يوم القيامة من زوجته التي كانت أقرب الناس إليه في الدنيا حتى أنه لا يرغب حتى في رؤيتها, بل ويصل الأمر به أنه يكون مستعدا لتقديم زوجته فدية لكي ينجو من عذاب القيامة, والله تعالى يوضح حال مثل هؤلاء الناس فيقول :
يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْويهِ
( سورة المعراج 13-11 )

نرى من خلال هذه الآية الكريمة كيف أن الشخص المنكر العاصي يمكن أن يضحي بأخيه وزوجته وباقي أفراد عائلته الذين لا يمثلون له أية أهمية أو قيمة يوم القيامة. كما إن هؤلاء الناس الذين هم على استعداد للتضحية ببعضهم البعض لم يكونوا ليستروا أخطاء بعضهم البعض في الحياة الدنيا سيقومون بلعن بعضهم البعض عند دخولهم إلى جهنم, وسيكون مصير الذين أسسوا في هذه الدنيا الزائلة علاقات خارجة عن رضى الله تعالى وعن الحدود التي رسمها لهم الإحباط والخسران المبين يوم القيامة. وهنا يستعرض القرآن الكريم لنا مثالا آخر في هذا الخصوص مثال أبي لهب وزوجته الذين ألقيا في نار جهنم :
تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَب فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ ( سورة المسد 1 – 5 )

أما إذا كانت هناك نية خالصة لكسب رضى الله تعالى, فإن هذه الرابطة المتبادلة والحب المتبادل سيكونان مبنيين على أسس مختلفة تماما. لذا فإن أمورا أخرى مثل الغنى والشهرة والجمال لن تكون العامل الأساسي الذي يحدد هذه الرابطة المشتركة. فالمؤمن الحقيقي الذي يؤمن بزوال هذه الحياة سيكون ميزانه وقسطاسه هو التقوى. وبدرجة ارتباطه بالله تعالى وحبه وخوفه منه عاليا بمعنى متى ما كانت درجة تقواه عالية سيكون شعور الحب تجاه ذلك الإنسان عاليا أيضاً.

لذا فإن على المؤمن أن يكون أساس اختياره لشريكة حياته هو التقوى أي محاولة كسب رضى الله تعالى وحبه، عندها سيكون هذا الزواج على قدر كبير من الطمأنينة والأمن لأصحابه. وذكر الله تعالى في قرآنه الكريم مايتعلق بـ هذه المسألة :
وَمِنْ آياته أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (سورة الروم 21 )
بالإضافة إلى هذا فإن المؤمنين الذين يرتبطون في الدنيا بروابط التقوى سيكونون هم الرابحون في يوم القيامة, وسيكون هؤلاء المؤمنون الذين قضوا جل حياتهم وهم يدعون إلى الجنة بتصرفاتهم الجميلة والخيرة من أقرب الأصدقاء لبعضهم البعض في الآخرة. والله تعالى يخبرنا من خلال آياته الكريمة ما يخص المؤمنين والمؤمنات في يوم القيامة فيقول :
وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أو لِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أولئك سَيَرْحَمُهُمْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
(سورة التوبه 71 )


الأولاد


يوجد في فطرة كل إنسان الرغبة في إدامة ذريته ونسله وأن يخلف أحدا من صلبه في هذه الحياة الدنيا بجانب رغبة التملك والحصول على الثروات وهي رغبة لا تعرف الشبع أبدا. وكما بين القرآن الكريم فإن هذه الرغبة إن لم توضع قواعدها على أساس كسب رضى الله تعالى فستؤدي به إلي الابتعاد عن ذكر الله والانشغال عنه. والأهم من هذا أنه يمكن أن تأخذ طريقا منحرفاً. بل يمكن أن تكون عنصراً يجعله ينحرف عن طريقه الصحيح حيث قد يجعله يشرك مع الله شريكاً آخراً. إن الله تعالى يمتحن الإنسان في الأولاد ليرى فيما إذا كانت تصرفاته تدخل ضمن دائرة كسب رضى الله تعالى أم لا. ونحن نرى هذا الأمر بوضوح من خلال الآية الآتية:
إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (سورة التغابن 15)

والملفت للنظر استعمال كلمة "فتنة" في هذه الآية للأولاد والأموال, فالكثير من الناس تراودهم فكرة إنجاب الأطفال - الذين يعدون من زينة الحياة الدنيا - هدفا مهما لهم في هذه الحياة, ولهذا السبب ذكر الله تعالى في قرآنه الكريم أن الأطفال هم موضع امتحان كبير لبني البشر في هذه الدنيا، وأنه يجب أن تكون نية إنجاب الأطفال خالصة لوجه الله تعالى, وعكس هذا الأمر سيخفي في طياته شركاً خفياً. وقد أعطى الله تعالى في قرآنه الكريم مثالاً على هذا النوع من العائلات والأسر التي نست الله وجعلت من هذا الأمر ( أي أن يكونوا أصحاب أطفال ) غايتها الوحيدة في هذه الحياة وعد هذا الأمر نوعا من الشرك بالله تعالى:
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنْ الشَّاكِرِينَ فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعالى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ( سورة الاعراف 189 – 191)

والتصرف الصحيح هو أن يكون طلب الأولاد من أجل كسب رضى الله تعالى. إذا ألقينا نظرة على القصص المذكورة في القرآن الكريم وجدنا أن طلب الأنبياء للذرية كان دوماً ضمن حدود الرضى الإلهي. وهناك الكثير من الأمثلة والقصص تتناول هذا الموضوع :
إِذْ قَالَتْ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
( سورة آل عمران 35)

وكذلك كان دعاء سيدنا إبراهيم عليه السلام:
رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
( سورة البقرة 128 )

فإذا كانت رغبة إنجاب الأطفال وفق الأسس المذكورة في الآية الكريمة, فإن هذا سيؤدي ولا شك إلى نتيجة طيبة, لأنه من أنشأ مؤمنا معتمدا على أخلاق القرآن الكريم وكان في نيته كسب رضى الله تعالى فإنه بهذا العمل يدخل ولاشك في نطاق العبادة, وخلاف هذه النية فإن ذلك يقود الإنسان إلى عواقب وخيمة في الدنيا والآخرة.

وإذا غفل أحدهم أن هذا الطفل لطف ونعمة من الله تعالى أنعمها عليه, وأنه أمانة أو دعها الله عنده, وحاول أن يتفاخر ويتباهى به على غيره وعلى من حوله، وأنه عائد له وملك له, عندها سيكون قد انحرف عن الطرق القويم. إن ثمن هذا التصرف سيكون فادحاً يوم الآخرة, وفي ذلك اليوم سوف ينسى أولاده الذين كانوا من أهم المناصرين له في الحياة الدنيا, بل سيكون على استعداد تام للتضحية بهم كي ينجو من العذاب الأليم. ولكن لن يكون هناك أي مفر من عذاب ذلك اليوم. وفي الحقيقة فإن الأطفال سيكونون سبباً للمشاكل، ليس في الآخرة فقط بل حتى في الحياة الدنيا. . . . سيكونون مصدرا للكثير من المشاكل لأفراد مجتمع الجاهلية. فبعد ولادة الطفل فإن العائلة تقضي زمنا طويلا وتبذل جهداً كبيراً من أجل تربية وتنشئة الطفل, وهذه الصعوبات تبدو ظاهرة للعيان في الأشهر الأولى للحمل. لأن على الأم الشروع في تنظيم حياتها كلها على أساس طفلها الذي تحمله في بطنها, فعليها أن تبدي عناية بما تأكله وتشربه, وتكون حريصة كل الحرص في حركاتها وسكناتها, وألا تقوم بأي حركة مفاجئة قد تؤذي بها جنينها, وفي الأشهر الأخيرة للحمل فإن حركات الأم تبدأ في التثاقل بشكل مطرد حيث تكون تلك الحركات غير متوازنة. كذلك فبعد الولادة فإن الطفل يشكل وحده شغلا شاغلا كبيرة للأبوين حيث تبدو الأم وكأنها مقيدة بجانب ولدها، لأنها تكون بجانب وليدها على الدوام. وهي إلى جانب انتظارها كي يكبر وليدها بأسرع وقت, تمر السنين متتابعة لدرجة أنها لا تشعر بمرورها.

دعنا ننظر إلى الموضوع من ناحيتين:

الأولى: أنه إذا كان الصبر على كل هذه المشاق هو من أجل كسب رضى الله تعالى فإنه يدخل ضمن حدود العبادات الكبرى.
الثانية: هنا يكون الوضع مختلفاً مع الشخص الذي يتحلى بالثقافة الجاهلية. فحسب تلك الثقافة فإن كل هذه المشاق التي يتكبدها الشخص تمثل له عناء لا داعي لها, ولا تحمل في طياتها أي هدف. ويعيش أفراد الثقافة الجاهلية أكبر خيبة أمل عندما يكبر أولادهم. فمن الطبيعي أن يتبنى هذا الطفل الأفكار الخاطئة والتصرفات البعيدة عن معايير الأخلاق -والتي هي نتاج المجتمع الجاهلي - عندما لا ينشأ على الأخلاق وعلى أسس التربية الفاضلة التي أمر بها الله تعالى, وتكون نتيجة هذه التربية الخاطئة والأخلاق الفاسدة نشوء جيل من الأولاد يعصون آباءهم وأمهاتهم, وهذا يؤدي بطبيعة الحال إلى نشوء أفراد لا يحملون معاني الوفاء والإخلاص، لأن الآباء والأمهات يرون في أولادهم نوعاً من الضمان لهم في المستقبل، فهم يظنون بأنهم سيكونون عونا كبيراً لهم في فترة شيخوختهم, ولكن الشخص الذي ينشأ وفق أخلاق يشوبها التمرد والجحود, يكون بعيدا كل البعد عن مثل هذا التوقع وهذا الظن ولا يخطر ذلك على باله، ويكون بعيدا عن مثل هذا الخلق الفاضل. فهو يعمل في الحقيقة على الحفاظ على مصالحه وعلى رغباته الشخصية, وهو مستعد لتنفيذ رغبات والديه إن كانت هذه الرغبات متوازية ومتماشية مع خططه ومصالحه الشخصية فقط, وليس لهما مكان عنده خارج هذا النطاق. لذا ليس من الصدف النادرة أن تكون نهاية الوالدين عند مثل هؤلاء الأولاد في إحدى غرف دار العجزة.
بينما الطفل الذي ينشأ على أخلاق القرآن الكريم تكون تصرفاته غير هذه التصرفات تماما. لأن القرآن الكريم يذكر بجهد الأبوين في تنشئة أطفالهم ويلزم الأبناء باحترامهما وعدم القيام بأي تصرف يؤلمهما أو يحزنهما. فالله تعالى يقول:
وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أو كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ( سورة الإسراء 23 – 24 )

ونفهم من هذه الآية أن تنشئة الإنسان وتربيته على ضوء هذه الحقائق تعتبر من المهام الأصيلة. ولكن إن تمت تنشئة الطفل على أسس دنيوية وما توفره من فوائد ومنافع مؤقتة وزائلة, فستكون كالأعمال الدنيوية الزائلة الأخرى التي لا تحمل هدفاً نبيلا ولا غاية فاضلة. وعلاوة على هذا فإن الشخص الذي يربي أولاده من أجل كسب رضى الله تعالى لن يخسر شيئا حتى وإن لم يلتزم أولاده بالأسس الأخلاقية الإسلامية وبأخلاق المؤمنين الصالحين. لأنه إنما يقوم بأداء ما عليه ويترك الباقي لرب العالمين. وبما أن الله تعالى ولي أمر الناس جميعا، فإن الشخص الذي يقوم بتربية أولاده حسب ما يرضاه الله تعالى فإنه سيحصل في النهاية على أجر ويكتب له في حسانته.


أما الذي يكون جل تفكيره محصورا في الدنيا ويربي طفله على هذا الأساس فإنه إضافة إلى أنه لن يجد في ولده ما كان يطمح إليه في الدنيا, فإنه في الآخرة لن تكون له أي فائدة لولده، ولا أي فائدة لولده له. ويشير القرآن الكريم إلى هذه المسألة بقوله تعالى :
فإذا جَاءَتْ الصَّاخَّة يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيه وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (سورة عبس 33 – 37 )
فكما ذكرنا سابقا فإن الإنسان خلق فقط من أجل أن يؤدي فروض العبودية الحقة لله رب العالمين, و جميع مظاهر الزينة التي وفرت له في الحياة الدنيا ليست سوى وسيلة اختبار له فيما إذا كان سيقوم بفروض العبودية إذاء الله تعالى أو فيما إذا كان سيعيش حياة مناسبة من أجل كسب رضى الله تعالى أم لا.

لهذا لاشك أن الإنسان بعد موته سوف يحاسب على العبادات التي أداها في الحياة الدنيا أو على ما اقترفه من عصيان وجحود وتمرد, وعلى حسب هذه الأفعال فإنه سوف يكافأ مكافأة سخية بأن يفوز بالسعادة الأبدية ويدخل الجنة أو أن يخسر خسراناً مبينا ويدخل عذاب جهنم.

ولهذا السبب, فإن كل أنواع هذه الزينة والتي تخلب لُباب البشر لا تحمل أي قيمة تذكر عند الله تعالى. إن الذي يقرب الإنسان من الله تعالى ويجعله ينجو من عذاب جهنم يوم الحساب ليس ما يمتلكه من أولاد وأموال، بل ما يملكه من تقوى وإيمان ثابت لا يتزحزح, وهذا هو ما توضحه الآيات الكريمة بشكل واضح :
وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أو لَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ
( سورة سبأ 37 )

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أولادهم مِنْ اللَّهِ شَيْئًا وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ( سورة آل عمران 116 )
لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أولادهم مِنْ اللَّهِ شَيْئًا أولئك أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
(سورة المجادلة 17 )

  • 0

صورة



أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم و أتوب إليه


#13 أخــ نورعيني ــوكم

أخــ نورعيني ــوكم

    نور عيني يا رسول الله

  • فرسان لهم بصمات
  • 2,223 مشاركة
  • الجنس:ذكر
  • الدولة:كل بلاد الإسلام أوطاني
  • الهوايات:• القراءة
    • الشعر
    • الإنترنت
    • رياضة المشي

تاريخ المشاركة 19/03/2009 - 12:40 ه

السلام عليكــم ورحمـة الله وبركاتــه ،،

الجزأ الثامن



الكوارث



إن الدنيا التي نعيش فيها هي مليئة بالكثير من الأخطار الداخلية والخارجية وإن كنا لا نعي ذلك كثيرا مثل النيازك والثقوب السوداء والنجوم المذنبة, وهذا يمثل جزأً صغيراً من تلك الأخطار. و إذا نزلنا إلى أعماق الأرض نصادف وجود طبقة سائلة تصل درجة حرارتها إلى آلاف الدرجات المئوية, وليس من الغريب أن نقول بأن هناك كرة نارية تغلي تحت أقدامنا، وبالإضافة إلى هذا, فإن هناك غلافا جويا يحيط من كل جهة بكرتنا الأرضية وتقوم بوظيفة الحماية. وبالإضافة إلى وظيفة الحماية التي يقوم بها الغلاف الجوي, فإن هناك حوادث جوية يكون مصدرها الغلاف الجوي والتي تحمل تأثيراً قويا جداً مثل العواصف والأعاصير.

كل عناصر التهديد هذه تكون فعالة بين الحين والآخر, وتكون هناك خسائر مادية وبشرية نتيجة لهذه الحوادث والتي تسمى باسم الكوارث الطبيعية, وتأتي الزلازل وانفجارات البراكين والفيضانات والأمواج البحرية العملاقة والعواصف والأعاصير والحرائق الكبيرة في مقدمة هذه الحوادث حيث أن كل من هذه الآفات الطبيعية لها تاثيرات مختلفة. والعامل المشترك لكل هذه الآفات الطبيعية هو أنه في زمن قصير يمكنها أن تدمر مدناً ومافيها من أناس ومخلوقات حية, وتكون هذه الخسائر فادحة وجسيمة. والإنسان لايملك أي إمكانية وقوة تجعله يحول دون وقوع هذه الحوادث, وما دام الإنسان لا يواجه هذه الكوارث فإنه لا يريد التفكير فيها مع علمه بإمكانية حدوثها في كل لحظة.

إن الحياة على وجه الأرض تسير وفق ميزان دقيق جداً, لهذا فإن هذه الأشكال من الحوادث الكبيرة لا تكون فعالة على مساحات شاسعة, وبأخذ جميع أنواع الأحياء على وجه الأرض ومن ضمنها الإنسان فإن هناك حماية خاصة لهم, لكن الله تعالى يريد تبصرة الإنسان من حين إلى آخر إلى إمكانية كون المكان الذي يعيش عليه غير آمن. كما أن الله تعالى يدفع الإنسان لكي يدرك من خلال هذه الكوارث التي استعرضناها فقدان القدرة على التحكم في الكوكب الذي يعيش عليه, ويجعلهم يشهدون عجزهم وضعفهم بأنفسهم, وأن يأخذ وا العبر والعظات من خلال تفكيرهم بعدما شهدوا كل هذه الكوارث. حسناً, فيما عدا هذا, ترى أي نوع من أنواع العبر والعظات يكون الإنسان قد استفادها من كل هذا ؟

كما استعرضنا في البداية بأن هذه الدنيا هي المكان الذي خلقه الله تعالى لكي يمتحن به الإنسان ولكي يميز بين الصالح والطالح, وأن الله تعالى قد بين هذه الحقيقة بقوله تعالى :
وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ والأرض فِي سِتَّةِ أيام وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ( سورة هود 7 )

إن هذا الامتحان الخاص بالدنيا قد هيئ بشكل كامل خالي من أي نقص إلى درجة أن كل أمر وكل حادث يحدث في هذه الدنيا يعود إلى سبب معين. وكل تفصيل من تفاصيل هذه الحوادث يقع ضمن قاعدة السبب – النتيجة. فمثلا إن إمكانية وقوف الإنسان وسيره على وجه الأرض يعود إلى قانون الجاذبية الأرضية والتي تمنحه هذه الإمكانية وتساقط الأمطار تحدث نتيجة الغيوم والرياح والموت والحوادث و الأمراض لابد وأن تحدث لسبب ما.

ومما لاشك فيه أنه يمكن ملء صفحات عديدة تزخر بأمثلة توضح علاقات السبب – النتيجة, ولكن المهم هنا هو كون هذا النظام غاية في الكمال والاتساق, وإحدى خصائص هذا النظام كونه في كل حادثة يساير منطق البشر. فالله تعالى يحذر وينذر البشر بين الحين والآخر بإرساله الكوارث الطبيعية ولنأخذ مثلا ً لإحدى هذه الكوارث, ففي الزلازل, تموت أعداد كبيرة من البشرمن شيوخ وشباب، رجال ونساء وحتى أطفال صغار. فكثير من الناس الذين تغلب عليهم الغفلة ينظرون إلى هذه الكوارث ويعتبرونها شيئاً طبيعياً, ولا يفكرون في أن كل هذا قد خلق من أجل غاية معينة. والآن لنتأمل جيدا ماذا كان سيحدث لو أن هذه المصيبة قد حلت فقط بالذين اقترفوا الآثام والذين هم خارجون عن الطريق الذي رسمه الله تعالى للبشر ؟

لاشك أن مفهوم الامتحان يكون قد انتهى تماما, ولكن الله تعالى لم يكن ليسمح بهذا. وكما ذكرنا أعلاه فجميع الحوادث التي تحدث على وجه الأرض قد هيئت إلى حد كبير بشكل طبيعي ضمن ميزان دقيق لا يقبل الخطأ. والإنسان المؤمن الذي يدرك وجود الله والذي يكون صاحب فهم عميق يدرك أن هذه الحوادث والتي تحمل هذا الشكل الطبيعي قد حصلت لحكمة معينة, وكما ورد في الآية الكريمة:
كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ( سورة الأنبياء 35)
فإن الله تعالى قد أشار إلى أنه يمتحن بني البشر بين الحين والآخر بحوادث سيئة وطيبة. فقد يقع حدث ما يذهب ضحيته كثير من الناس، فيحزن أناس لكثرة هؤلاء الضحايا، لكن ينبغي ألا يغيب عن أذهاننا أن الله تعالى صاحب العدالة الأبدية سوف لن يحرم يوم القيامة أحدا من أخذ حقه.

إن كل ما يواجه الإنسان في هذه الدنيا من حوادث هو بمثابة التجربة والامتحان, وسوف يلاقي الجميع يوم القيامة جزاءهم وما كسبت أيديهم سواء أكانوا من الصابرين, أم كانوا من الغافلين عن هذا الامتحان. لذا نرى أن الذين يدركون عظمة الله حق الإدراك, والمرتبطين من أعماق قلوبهم بالله تعالى هم المدركون لسر هذه الدنيا. فإذا أصابتهم مصيبة يهرعون إلى الله تعالى تضرعا وخيفة ويطلبون عفوه ومغفرته, لأنهم يعرفون أن الله تعالى قد وعدهم في قرآنه الكريم بقوله تعالى :
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الْأَمْوَالِ وَ الأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إذا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إليه رَاجِعُونَ أولئك عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ ( سورة البقرة 155- 157 )

فكما ورد في الآية الكريمة، فإن جميع البشر, المؤمنين وغير المؤمنين سيتم اختبارهم من خلال بعض الحوادث, فبعضهم من خلال الآفات الطبيعية, وبعضهم من خلال حوادث تقع في حياتهم اليومية, والبعض الآخر من خلال بعض الأمراض والمحن وهي حقائق ليست ببعيدة في هذه الدنيا عن الإنسان. وهذه المصائب التي تلحق ببعض الأفراد يمكن أن يشمل تأثيرها نواحي مادية ونواحي معنوية من حياة الإنسان.


على سبيل المثال
, قد يلحق الإفلاس بشخص كان في يوم ما يعيش حياة مرفهةً، وقد تفقد إمراة حسناء جمالها إلى غير رجعة أو أن يتعرض الإنسان إلى مرض ليس له دواء أو علاج, ومثال ذلك أيضا تعرض بعض المدن بين الحين والآخر إلى عاصفة مفاجئة تسبب دمارا واسعا غير متوقع، وهذا يكشف أن حياة الإنسان مرهونة ببعض اللحظات القصيرة. المهم من كل هذا أن يستوعب الإنسان الدروس اللازمة ويستنتج منها العبر والعظات. والله تعالى يريد أن يرسل رسالة إلى بني البشر من خلال هذه الكوارث التي تحدث كل هذه الأضرار المادية والمعنوية لكي يعوا ما هم فيه وأن يعودوا عن ضلالهم وانحرافهم إلى الطريق المستقيم الذي رسمه الله تعالى لجميع البشر في هذه الدنيا.

وكما هو الحال بالنسبة لبقية الأشياء التي لم يخلقها الله عبثا ً في هذه الدنيا, فإن الله تعالى الذي ابتلى البشر بهذه الكوارث كي تكون لهم إحدى وسائل الإنذار والتنبيه. وبين الله تعالى قد بين في قرآنه الكريم بأن ليس هناك أي شيء يمكن أن يحدث في هذا الكون من دون إذن من الله بقوله تعالى:

مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (سورة التغابن 11)
وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الآخرة نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ( سورة آل عمران 145 )

وإلى جانب جميع هذه الكوارث والصعاب فإن هناك حكمة ً وغاية ً وراء كل هذا:

إن الإنسان الذي يرى نفسه في هذه الدنيا صاحب قوة وجبروت، سيدرك مدى عجزه وضعفه أمام الكوارث التي يمكن أن تحدث في أي لحظة بمشيئة الله, فيكون بلا حول ولا قوة لكي يساعد نفسه أو حتى يقدم المساعدة للآخرين, ولأن كل شيء بيد الله تعالى فليس هناك قوة غير الله سبحانه وتعالى الذي يمكن أن تقدم الفائدة أو الضرر. وهذه الحقيقة تبينها الآية التالية:
وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
( سورة الأنعام 17 )

في هذا القسم سوف نقوم باستعراض جميع أنواع الكوارث, والآفات الطبيعية, وتأثيراتها والتي وقعت إلى الآن على سطح الأرض, لكي يدرك الذين يرتبطون بهذه الدنيا ارتباطا كليا أنها ليست المكان الذي يستحق كل هذا الاهتمام, والتذكير بأهمية كون حياة الآخرة هي المكان المثالي الذي يستحق العيش فيه.

فالذي نستعرضه أمام أنظار القراء الكرام هي حقائق تظهر كيفية وقوع الإنسان في حالة من العجز المطلق أثناء وقوع هذه الكوارث وحتى بعد انتهائها. إن هذا العجز الذي يعيش فيه الإنسان آية تعبير على أن قوة الإنسان ليست لها أية أهمية أمام قوة وعظمة رب العالمين, وأن الله وحده هو الذي يجب اللجوء إليه لطلب الحماية والمساعدة.


الزلازل


وهي تمثل أكبر الحوادث الطبيعية تدميراً، فعند وقوعها تخلف أضراراً فادحة, وهي أكثر ما تهدد بني البشر بالمقارنة مع بقية الكوارث الطبيعية الأخرى, وحسب الإحصاءات الرسمية المتوفرة فإنه يحدث يحدث زلزال واحد في كل دقيقتين على الكرة الأرضية, وإذا قمنا بحساب عدد هذه الزلازل الواقعة خلال السنة الواحدة على الكرة الأرضية نجد أن الأرقام تصل إلى ملايين الهزات الأرضية، فمن بين 300000 هزة أرضية تكون 20 هزة منها مدمرة, حيث إن قوتها التدميرية يمكن أن تدمر مدينة بكاملها، وهذه الزلازل لا تقع باستمرار في أماكن آهلة بالسكان, لذا فإن نتائج مثل هذه الهزات الأرضية لا تكون دوماً مصحوبة بخسائر بشرية. ومجموع الزلازل السنوية فإن هناك مايقارب الخمس هزات التي تقع في مختلف انحاء الكرة الأرضية تحمل معها الموت والدمار.
ومن خلال إلقاء الضوء على المعطيات العلمية السابقة نفهم أن الناس لايواجهون الزلازل بشكل مستمر, حيث تقع في كل دقيقتين هزة أرضية في بقاع متفرقة من الكرة الأرضية ولكن أغلبية البشر لايحسون حتى بوقوعها, لأن شدة هذه الزلازل محسوب بدقة كبيرة. هذا لاشك يمثل دليلاً واضحا على الحماية التي يوفرها الله تعالى لجميع البشر، ففي أيامنا هذه إذا وقع زلزال ما فإن المدينة وأطراف المدينة التي تعرضت لزلزال يمكنها أن تحس بوقوع هذا الزلزال. ويمكن لله تعالى إن شاء، وبكل سهولة أن يرسل زلزالاً تكون قوته التدميرية تلف جميع أنحاء الكرة الأرضية وأن تقضي على جميع معالم الكرة الأرضية. وطبقا للأبحاث العلمية فإن التركيبة الجويولوجية للكرة الأرضية تجعلها من الطبيعي أن تتعرض لهذا الزلزال, فتكون خطوط الزلزال والفراغات المتكونة بين الطبقات الأرضية. . . . إلخ تجعل حقيقة وقوع الزلزال شيئا طبيعيا لامفر منه. وبالاطلاع على أحد المصادر العلمية الذي يتناول احتمالية وقوع الزلزال نراه يورد مايلي:

إن القوة الكامنة في أعماق الكرة الأرضية تستطيع كسر الطبقة الصلبة من القشرة الأرضية, وعندما لاتستطيع صخور القشرة الأرضية مقاومة هذه القوة فإنها تتكسر مولدة بذلك طاقة تدميرية كبيرة, ونتيجة لهذه الهزة العنيفة فإنه يمكن أن تكون النتيجة هو دمار شامل لجميع مباني تلك المدينة مخلفة أنقاضاً ضخمة تدفن تحتها إلى غير رجعة جميع سكان تلك المدينة.
(الكوراث الطبيعية, Readers Digest,1996)

مما لاشك فيه أنه لو أراد الله تعالى إحداث هزة أرضية في مكان ما فليس من الشرط أن تكون ظروف الطبقات الأرضية مناسبة أو غير مناسبة لحدوث مثل هذه الهزة. فلو شاء الله تعالى لأحدث هذه الهزة وفي أي وقت يشاء, وإن كانت مغايرة لكافة القوانين الطبيعية. لكن الله تعالى يجعل الظروف الطبيعية على وجه الأرض في غاية عدم الأمان والاستقرار كي يذكر الإنسان بأن حياته في هذه الدنيا مرتبطة بخيط رفيع جداً, وعلى هذا الأساس فإن القرآن الكريم يحذر البشر فيما يتعلق بموضوع الكوارث بقوله تعالى :
أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمْ الأرض أو يَأْتِيَهُمْ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ
أَوْ يَأخذ هُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِين أو يَأخذ هُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فإن رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ
( سورة النحل 45 – 47 )


فلو شاء الله لجعل هذه الهزات التي تستمر بضع ثوان متواصلة لساعات أو حتى لمدة أسابيع ويمكن أن يجعلهم يعيشون في خوف مستمر. لكن الله تعالى يحمي البشر برحمته, وبهذا الشكل فإن الله تعالى يذكر البشر بعظمته وعدم إمكانية تحدي مشيئته, ويذكر الإنسان أيضاً بأن انشغالهم بهذه الدنيا سوف لن يكون جزاءه أي مكافاة وفوز, ومن الأهمية بمكان أن نذكر بالهزات الأرضية التي وقعت في القرن العشرين.


زلزال كوبي : هزيمة التكنلوجيا


إن امتلاك الإنسان للتكنولوجيا المتقدمة تمنحه في كثير من الأحيان شعوراً بأنه يمتلك أسباب القوة للتحكم في الطبيعة, ولكن الذين يسيطر عليهم هذا الإحساس يصابون في فترة قصيرة بشعوربالخيبة، ذلك أن نفسها التكنولوجيا هي إحدى النعم التي منحها الله للإنسان من أجل رفاهيته, وهي تحت حكم الله تعالى. وكما هو ملاحظ من خلال مختلف الحوادث التي تؤكد أن الإنسان حتى وإن امتلك أحدث التكنولوجيا وأرقاها لايستطيع التحكم في الطبيعة, ومثال على ذلك فعلى الرغم من دقة تطبيق اليابانيين لتكنلوجية (( سبل الوقاية من الزلزال )) فإنهم لم ينجوا من الهزيمة أمام الزلزال الكبير الذي أصاب مدينة كوبي اليابانية سنة 1995. فقد انهارت معظم الأبنية التي تم إنشاؤها وفق أحدث التقنيات العلمية وكأنها أبنية مصنوعة من الورق! ولقد أنفقت الحكومة اليابانية وجامعاتها وخلال 30 عاماً الماضية ما يقارب المليار دولار من أجل إنشاء نظام يخبر عن قرب وقوع الزلزال قبل حدوثه, ولكنهم لم ينجحوا في ذلك لأنه من غير الممكن إنشاء نظام يعمل بدقة بحيث تستطيع أن تصف الهزات الواقعة في الطبقات الأرضية.
والزلزال الذي وقع في مدينة كوبي يشكل أحسن دليل على هذه الحقيقة, ولقد كان الناس يحسون بالأمان نتيجة الدراسات والبحوث التي كانت من المنتظر أن تعطي الإنذار قبل وقوع الزلزال ببضع ساعات أو قبل بضعة أيام , ولكن الذي حصل هو عكس هذا, حيث لم يقم أي نظام بالإخبار عن وقوع الزلزال الذي قلب هذه المدينة الساحلية رأساً على عقب وهذا الزلزال كان يبعد قرابة 25 كيلومتر من مركز مدينة كوبي على عمق 15 كيلومتر تحت سطح البحر. لقد ظهر للعيان أن ما ادعاه اليابانيون بأن أبنيتهم قد صممت لكي تصمد أمام أعنف الزلازل لم تتمكن من الصمود كثيرا أمام هذا الزلزال. كما أن الزلزال ضرب مدينة كوبي وآوساكي اليابانيتين التين تمثلان أهم المراكز التجارية والصناعية في اليابان. ولهذا تجاوزت الخسائر المادية بعد هذا الزلزال المليارات من الدولارات, لقد كان وقع هذا الزلزال كبيراً وعميقا في نفوس أولئك الذين تعودوا العيش حياة مرفهة وهو ماجعلهم لايعرفون كيف يتصرفون في تلك اللحظات، إذ لم يكونوا يعتقدون أن الفاجعة سوف تحل بهم مرة أخرى.

للعلم :
تحتل مدينة كوبي اليابانية المرتبة الثانية بعد العاصمة طوكيو من حيث كثافة السكان, لكونها منطقة صناعية. لقد وصل تأثير الزلزال مدينة أوساكا التي تقع جنوبي البلاد إضافة إلى مدينة كوبي ذات العشرة ملايين نسمة. ولقد استمر هذا الزلزال قرابة عشرين ثانية في 17 تشرين الثاني من عام 1995 في تمام الساعة السادسة إلا الربع صباحا, حيث شعرت بهذه الهزة العنيفة العديد من المدن اليابانية الأخرى والتي تعرضت في الوقت نفسه إلى خسائر فادحة لقد كانت هذه الثواني العشرين كافية لتدمير ومحو عمل وجهود سنين عديدة.


الأعاصير الاستوائية والعواصف


إن الحوادث الجوية مثل العواصف والأعاصير هي أيضاً من الآفات الطبيعية التي نشهد حدوثها باستمرار. إن الهواء الناتج من هذه العواصف يمتلك القوة اللازمة لتشتيت المباني والبيوت والسقوف والأشجار وأعمدة الكهرباء وحتى الإنسان والالقاء به إلى مسافات بعيدة. والأعاصير القوية تستطيع إثارة البحار وتهيجها بصورة مفاجئة, وتكون أمواجاً بحرية عملاقة, وتضرب هذه الأمواج العاتية المتولدة من الأعاصير المدن الساحلية, وهو مايؤدي إلى غمر الأراضي الساحلية بالكامل بالماء. وإضافة إلى هذا فإن الأمطار المصاحبة لهذه الأعاصير تعمل على زيادة منسوب المياه في الأنهار.


فالرياح التي نحس بنفحاتها الرقيقة يمكن أن تتحول بقدرة الله تعالى إلى عواصف قوية تستطيع أن تقتلع بقوتها الأشجاروتدمر البشر والحيوانات والأحجار بل وحتى البيوت. فلو شاء الله تعالى لجعل هذه الحوادث الجوية مثل العواصف والأعاصير تهب بشكل أعنف وأشد مما هي عليه بشكل مستمر. بحيث أن الإنسان قبل أن يتلافى أضرار الإعصار الأول يلحق به إعصار آخر. وقد نبه القرآن الكريم إلى حقيقة أن الرياح هي تحت أمر الله تعالى بقوله:
أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ الأرض فإذا هِيَ تَمُورُ أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ( سورة الملك 16 – 18 )
فالله تعالى يظهر حمايته للإنسان في كل مصيبة تلحق به فهو يرسل بين الحين والآخر هذه العواصف والأعاصير ينذره ويوقظه من غفلته، فهو يتعهده بهذه الوسائل من حين لآخر حتى يعرفه بعجزه وضعفه أمام قوة وعظمة الله تعالى, وأنه سوف يأتي اليوم الذي يحاسب أمام رب العالمين.



البراكين



لقد استعرضنا كيف أن حركة القشور الأرضية تصاحبها حركات أرضية تدعى بالزلازل, فإن هناك كوارث طبيعية لاتقل خطورة عنها, الا وهي الانفجارات المتولدة في الجبال وتدعى البراكين.

تنتشر في الكرة الأرضية مايقرب من 1500 بركان، منها 550 بركاناً على سطح الأرض والباقي في أعماق البحار, ومن السهولة لأي واحد من هذه البراكين أن يثور في أية لحظة وفي فترة قصيرة يمكنها أن تؤثر على ما بجوارها من مناطق.
عندما تثار تلك الجبال البركانية لن تستطيع أي تكنولوجيا مهما كانت متقدمة أن تكون حائلاً تمنع حدوثها. فإذا نظرنا إلى التاريخ نرى آثاراً تدل على وقوع حوادث بركانية كبيرة. فقد محيت مدن كانت موجودة من قبل من على خارطة الوجود, كذلك اندثرت نتيجة لمثل هذه الكوارث مجتمعات بشرية بكاملها. فقد دمرت مزروعات وتحولت مزارع إلى رماد, وغطت السماء بغيوم من الغبار, وقد أزال أحد هذه البراكين مدينة بومبي الإيطالية الكبيرة. وهذا الانفجار البركاني لم يعط الفرصة لأهالي هذه المدينة للفرار, وقد كانوا يعيشون حياة ملؤها الفجور والانحراف عن الخلق القويم لاشك يمثل درساً يجب الوقوف عليه.
ويمكن أن تثار هذه الجبال البركانية في يومنا هذا وبشكل مفاجئ وأن تسبب خسائر فادحة حيث يمكن أن يشمل نطاق تأثيرها مسافات بعيدة.

وبالإضافة إلى التأثير المدمر للحمم البركانية فإن مزيجاً من الغازات والرماد تشكل رياحاًُ تملك تأثيراً فعالاً, لأنها تحرق وتبتلع أي شيء تصادفه، وتصل سرعة الرياح في بعض الأحيان إلى 160 كم/ساعة, وبالإضافة إلى تأثيرها الحارق، فإن مسافة الرؤية أثناء هبوبها تكاد تنعدم. فأندونيسيا التي يوجد فيها 200 بركان نشيط جعلت أهالي مدينة كاراكاتو يتعرضون سنة 1883 إلى غازات منبعثة من جبالها البركانية, حيث دمرت أكثر من 160 قرية, وأختنق نتيجة هذه الغازات البركانية العملاقة حوالي 36000 شخص, وقد تساقط غبار هذه الانفجارات بعد 10 أيام على مسافة حوالي 3000 ميل.

ومن الخصائص الأخرى لهذه البراكين هي أنها تبدأ نشاطها في زمن غير متوقع, ومثال على ذلك ما حصل مع بركان جبل نشادر دل ريوز والذي كان خامداً منذ 150 عاماً حتى انفجر عام 1985, فعلى الرغم من كون الانفجار كان صغيراً, فقد تسبب في مقتل المئات من الأشخاص. فقد كان انفجار جبل سانت هيليبز يمثل % 3 فقط من شدته الأصلية. ونعود إلى الانفجار البركاني في جبل نفادو دل ريوز، فقد أدت الحرارة المنبعثة نتيجة هذا الانفجار إلى إذابة كتل الجليد حول أطراف الجبل وأدى إلى تكون سيول من الطين والماء محت مدينة آرمرو من الوجود, ويمكن اعتبار الكارثة التي نجمت عن انفجار جبل بيل والذي وقع في جزيرة كاريب عام 1902 وخلف 30000 قتيل من أكبر الحوادث البركانية والتي حدثت إلى حد الأن، حيث دفن من مجموع 25000 شخص الذين كانوا يتهيئون للنوم 23000 شخص تحت الطين الناتج من هذا الانفجار البركاني ونجى 2000 شخص فقط. ومن خلال استعراضنا لهذه الحوادث, يريد الله تعالى أن يري البشر كيف أن الموت سهل وقريب من الإنسان, ويريد أن يدعوهم لكي يتفكروا لأي غاية وجدوا في هذه الحياة.
إن الواجب الذي يقع على عاتق الإنسان الذي يشاهد القدرة اللا متناهية لله تعالى هو أن لاينسى أن حياته الأبدية في الآخرة وهو يعيش حياته الدنيوية والتي يتراوح معدلها ما بين 50 أو 60 عاماً وأن لاينخدع فيعتبرها مدة طويلة, ويجب أن لا ينسى قطعاً بأنه سيموت في يوم ما, وأنه سيحاسب على ما عمله طوال حياته الدنيوية أمام رب العالمين.
يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (سورة إبراهيم 48 )



توسنامات



وهي كلمة يابانية تحمل معنى أمواج الموانئ، وهذه الأمواج العملاقة تنشأُ في الغالب في البحار بعد حدوث الهزات الأرضية, والمثير هنا أن الدمار الذي تخلفه مثل هذه الأمواج العملاقة يعادل دمار القنبلة الذرية ! !


السيول



لاشك أن تعرض الكثير من المناطق على وجه الأرض لمثل هذا التهديد الكبير يحمل في طياته حقيقة مهمة هي أن الله تعالى قادر على استرجاع جميع ما وهبه الله تعالى للناس من نعيم وسلطان خلال ثوانٍِ معدودات بإرساله العذاب لهم من كل جهة. وهذا يمثل برهاناً ساطعاً على أن الإنسان الذي تتربص به الكوارث في أي بقعة من بقاع الأرض لن يكون بأمان إلا بمشيئة الله تعالى، فهو سبحانه قادر على إرسال عذابه من تحت الأرض ومن فوق الأرض وفي اليابسة، في البحر وفي أي مكان, وقد حذر الله تعالى البشر بأن لا يتغافلوا عن هذه الحقيقة بقوله تعالى :
أَفَأَمِنَ أهل الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ أو أَمِنَ أهل الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُون أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ
(سورة الأعراف 97 – 99 )


وهكذا, فيمكن أن يتحول الماء الذي أرسله الله تعالى نعمة ً للناس إلى عذاب وبلاءٍ شديدين. ومن الغريب أن يرى الإنسان هذه الكوارث ويظن أنه بمنأى عنها.



عبر من التاريخ



إن التاريخ البشري مليء بالكثير من الحوادث التي يمكن اعتبارها عبراً لمن كان يثق بما يملكه من قوة وتقدم علمي متناسيا قدرة الله تعالى وعظمته. وكل واحدة من هذه الحوادث تحمل في طياتها أهمية كبرى بتذكير الإنسان أنه لا الغنى ولا القوة ولا العلم ولا المعرفة، وباختصار كل شيء يمكن أن يقف ضد إرادة وتقدير الله تعالى وقوته وعظمته التي هي فوق كل شئ في هذا الكون.


ويمكن ذكر عدد لا يحصى من هذه الحوادث ولكن يمكن الإشارة إلى إحدى أهم هذه الحوادث والتي وقعت لسفينة تحمل اسم تايتانك قبل قرابة 86 عاما في المحيط الاطلسي والتي تعتبر من أكبر الكوارث البحرية إلى حد الآن.

فقد كانت تايتانك هذه السفينة العملاقة المدهشة والتي صممت لنقل المسافرين عبر المحيطات هي ثمرة جهود 15 ألف عامل، حيث كانت تعتبر في ذلك التاريخ من أعظم وأكبر سفن نقل المسافرين، إذ صممت لكي تكون بطول 275 مترا وارتفاع 55 مترا.
فقد جعلوا يصدقون أنفسهم أنهم ببناء هذه السفينة وفق أحدث تكنلوجيا ذلك العصر ستكون تماما بمأمن عن الغرق مهما كانت الظروف. ولكن كانت هناك حقيقة مهمة يبدوا أنها قد غابت عن بال هؤلاء الناس ألا وهي أنه ليس هناك أي حد يمكن أن يقف ضد ماقدره الله تعالى.

وهكذا فإن ثقبا ً صغيراً قد تسبب على نحو لم يكن في الحسبان في إغراق هذه السفينة وفي وقت قصير, حيث لم تستطع كل هذه التكنولوجيا أن تنقذها من مصيرها المحتوم. وقد ذكر الذين نجوا من هذه الحادثة أنه بعدما تأكد للجميع بأن السفينة على وشك الغرق، توجه الركاب إلى مقدمة السفينة وأخذوا يتضرعون بالدعاء.

وقد ذكر القرآن في كثير من آياته كيف أن الإنسان إذا وقع في مصيبة توجه بالدعاء إلى الله تعالى لكي ينقذه, ولكن حال زوال هذه المصيبة عنه ينسى ما قام به من دعاء ورجاء لله تعالى :
رَبُّكُمْ الَّذِي يُزْجِي لَكُمْ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا وَ إذا مَسَّكُمْ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إلى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإنسان كَفُورًا أَفَأَمِنتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أو يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا أَمْ أَمِنتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنْ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ أَمْ أَمِنتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنْ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا ( سورة الإسراء 66 – 69 )

فيجب على الإنسان أن لاينسى ربه سواء تعرض لمثل هذه الحوادث أو لم يتعرض لها. فكل شئ في هذه الدنيا زائل, وإن القوة جميعا ًهي لله تعالى، لأن الإنسان عندما يواجه مثل هذه الحوادث والمصائب فإنه لايملك فرصة لتلافي أخطائه السابقة لأن الله تعالى قد يفاجئه بالموت في أية لحظة:

أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ والأرض وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدْ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ( سورة الأعراف 185 )

  • 0

صورة



أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم و أتوب إليه


#14 ســـــمو

ســـــمو

    عضو جديد

  • الأعضاء
  • صورة مصغرة
  • 36 مشاركة

تاريخ المشاركة 19/03/2009 - 12:43 ه

السلام عليكــم ورحمـة الله وبركاتــه ،،

الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين

أولا : بـــارك الله لك في وقتك وجهدك الواضــح أخي الكريـم ( نــور )

ثـانيا : سجلنى أحـد المتابعيـن لهذه الأجزاء القيـمة ؛؛ قرأت الجزء الأول ونصف الثاني ؛؛ فوجدت الشئ الكثير

وسأحرص على اكمالها باذن الله تعالى

؛؛ لا حـرمك الله أجر ما نقلت هنا ؛؛

تقبل مروري


تم تعديل هذه المشاركة بواسطة ســـــمو: 19/03/2009 - 12:45 ه

  • 0



#15 نـ فلسطين ـور

نـ فلسطين ـور

    مشرفة قسم انصر اخاك المسلم

  • المشرفين الإداريين
  • 6,290 مشاركة
  • الجنس:-
  • الدولة:[حيث الغ ــياب]

  • الوسام الأول

  • الوسام الثاني

تاريخ المشاركة 19/03/2009 - 04:22 ه

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،

جزاك الله خيرا اخونا الفاضل نور على مجهودك

ان شاء الله نتابع معك و نكمل القراءة

كل الاحترام لك و لشخصك الكريم


  • 0

اللهم بلغنا رمضان غير فاقدين ولا مفقودين

لا تنسوني من صالح دعاءكم


http://a.tumblr.com/tumblr_lynuzmGU9T1qeifkzo1.mp3


صورة
صورة

كلما أتذكر حديث الشفاعة

وقول الحبيب بعد رفع رأسه من سجوده بين يدي خالقه

(اللهم أمتي أمتي)

تخنقني العبرة كيف ترك نفسه وأهله لأجل أمته!


صورة


#16 أخــ نورعيني ــوكم

أخــ نورعيني ــوكم

    نور عيني يا رسول الله

  • فرسان لهم بصمات
  • 2,223 مشاركة
  • الجنس:ذكر
  • الدولة:كل بلاد الإسلام أوطاني
  • الهوايات:• القراءة
    • الشعر
    • الإنترنت
    • رياضة المشي

تاريخ المشاركة 19/03/2009 - 06:07 ه

السلام عليكــم ورحمـة الله وبركاتــه ،،

الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين

أولا : بـــارك الله لك في وقتك وجهدك الواضــح أخي الكريـم ( نــور )

ثـانيا : سجلنى أحـد المتابعيـن لهذه الأجزاء القيـمة ؛؛ قرأت الجزء الأول ونصف الثاني ؛؛ فوجدت الشئ الكثير

وسأحرص على اكمالها باذن الله تعالى

؛؛ لا حـرمك الله أجر ما نقلت هنا ؛؛

تقبل مروري



السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،

جزاك الله خيرا اخونا الفاضل نور على مجهودك

ان شاء الله نتابع معك و نكمل القراءة

كل الاحترام لك و لشخصك الكريم



مشكور على حسن قرائتكم والله أسأل أن أكون أفدتكم جميعا وعلى الله القبول


شكرا لكم وحياكم الله
  • 0

صورة



أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم و أتوب إليه


#17 أخــ نورعيني ــوكم

أخــ نورعيني ــوكم

    نور عيني يا رسول الله

  • فرسان لهم بصمات
  • 2,223 مشاركة
  • الجنس:ذكر
  • الدولة:كل بلاد الإسلام أوطاني
  • الهوايات:• القراءة
    • الشعر
    • الإنترنت
    • رياضة المشي

تاريخ المشاركة 21/03/2009 - 04:13 ه

السلام عليكــم ورحمـة الله وبركاتــه ،،
الجزأ التاسع

رحمة من الله تعالى


فَكُلًّا أخذ نَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أرسلنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أخذ تْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأرض وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أنفسهم يَظْلِمُونَ (سورة العنكبوت 40 )

كانت غايتنا إلى حد الآن بيان حقيقة مهمة حول الغاية من خلق الإنسان. فكل شئ له علاقة وارتباط بالله سبحانه وتعالى.
وكما تشير الآية الكريمة الآتية فإنه لاتوجد أية قوة تستطيع أن تتحدى ما قدره الله تعالى وما قضى به:
وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أو نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأرض وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أكثر النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ
( سورة يوسف 21 )

ولكن، وكما بينت الآية الكريمة فإن أغلب البشر لايعرفون هذه الحقيقة, فهم يعيشون في هذه الدنيا ظناً منهم أنه سوف لن تصيبهم أية مصيبة حتى أنه لايدور في خلدهم أنهم قد يواجهون في يوم ما إحدى هذه الكوارث التي تحيط بهم, ولكنهم يرون أن تلك الحوادث بعيدة عنهم كل البعد إذ أنها لا تمسهم بشكل مباشر. فهم عند سماعهم لإحدى هذه الكوارث يتأثرون لفترة قصيرة بهذه الحادثة ولكنهم ينسونها بعد فترة قصيرة.


نحن نعلم من تذكير الله تعالى لنا أنه من الخطإ الاعتقاد بأن عد الأيام الجديدة القادمة ستكون على نفس منوال اليوم الحالي. وبالإضافة إلى مااستعرضناه سابقا، فعلى الأشخاص الذين عاشوا تجارب كارثية، أن لايغيب عن بالهم بأن الأيام التي يعيشونها الآن لن تكون مختلفة عن باقي الأيام التي عاشوها, ولكن الفرق الوحيد هنا أن الله تعالى قد جعلهم يواجهون حادثة فقدوا من خلالها وفي لحظة واحدة جميع ما كانوا يملكونه.

هناك عدد غفير من الناس يعيشون في غفلة عن هذه الحقيقة فهم يتناسون كون الدنيا دار مؤقتة للبقاء، ويغفلون كذلك عن حقيقة كونهم سوف يحاسبون أمام الله تعالى. فهم بضلالهم هذا ينشغلون في حياتهم الدنيا بأشياء لن تجلب لهم أي نفع بدلا من العيش من أجل كسب رضى الله تعالى.

ومن هذه الناحية فإن الصعاب التي تحل بالإنسان تمثل رحمة من الله تعالى للذين يعيشونها وكذلك الذين يشهدون هذه الصعاب. وإن الله تعالى يحث البشر من أجل السعي في الطريق الذي رسمه الله تعالى لهم, وأن يجعلهم يشهدون بأن هذه الدنيا الزائلة عبارة عن خدعة كبيرة.

ولهذا السبب فإن الله تعالى في الحقيقة يقدم الفرصة للبشر من خلال ما يتعرضون له من مصائب ومحن, وهذه المصائب تمنحهم الفرصة كي يتوبوا ويعدلوا من تصرفاتهم.
وقد بين الله تعالى من خلال قرآنه الكريم مايجب أخذه من دروس وعبر من كل هذه الحوادث بقوله تعالى:
أو لَا يَرَوْنَ أنهم يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أو مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ
(سورة التوبة 126 )


الحضارات البائدة


وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أو تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا
(سورة مريم 98 )

لقد اختار الله تعالى الدنيا كمكان خاص لكي يختبر فيه الإنسان وأسكنه إياها. وطوال التاريخ أرسل الله تعالى كتب الحق بواسطة رسله لكي يدعوا البشر إلى طريق الحق, وأيضاً لكي ينذرهم ويخيفهم فيما إذا انحرفوا عن هذا الطريق. واليوم يوجد لدينا كتاب الحق يرشدنا إلى الهداية، وقد أرسله الله تعالى للمؤمنين، وهذا الكتاب يدعى القرآن الكريم وهو يفرق بين الخطإ والصواب والحلال والحرام ويخبرنا عما أصاب الأقوام الغابرة نتيجة لكفرهم وضلالهم. وينذرنا بأننا سوف نلقى المصير نفسه إذا سلكنا طريق الضلال.
وقد ذكر الله تعالى في قرآنه الكريم أنه أرشد جميع الأقوام عبر التاريخ للطريق الصحيح مذكراً إياهم بواسطة رسله بأن دار الآخرة هي دار البقاء الحقيقي, وأن هذه الدنيا زائلة لامحالة. ولكن، ورغم ذلك نرى أن القرآن يخبرنا بأن أكثرية البشر ضلوا في عنادهم وعدم استجابتهم لنداء هؤلاء الرسل, ونتيجة لهذا فإن الله تعالى قد سلط عليهم عذاباً لم يكونوا يتوقعونه أبدا ومحى بعضهم تماما من خارطة الوجود كما ذكر في القرآن الكريم بقوله تعالى :
وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا
(سورة الفرقان 38 - 40 )

إن الدروس والعبر التي يجب أن نستقيها من خلال مراجعة ما حل بمصير الأقوام الغابرة قد عبر عنها القرآن الكريم بقوله تعالى:
أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهم فِي الأرض مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأرسلنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الأنهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ
( سورة الأنعام 6 )


وهناك آية أخرى في هذا الموضوع تحذر الناس وتخوفهم وتعظهم:
وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أشد مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيص إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أو أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (سورة ق 36 – 37 )
وكما رأينا في الآيات السابقة فمن أهم أسباب نقل أخبار ما عاشته المجتمعات الغابرة هو تحذير الإنسان اليوم حتى لا يقع فيما وقعت فيه الأمم السابقة من أخطاء.


من الخطإ النظر إلى المصائب وإلى الكوارث وآثارها التي حلت بالأمم السابقة من الزاوية التاريخية فقط:
فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (سورة البقرة 66 )
وهذه الحوادث التي كما وردت في الآية الكريمة بمثابة عبرة وتذكرة للآخرين. ولكن من المفيد أيضاً القول هنا : إن الله تعالى بدلاً من أن يرسل العذاب فورا على الذين يظلون على كفرهم وضلالهم, فإنه يرسل المنذرين لعل تلك الأقوام ترجع عن غيها وفسادها.


بالإضافة إلى هذا أشار القرآن الكريم إلى حقيقة الذين يلاقون الصعاب في الدنيا إذ هي ليست سوى تذكرة إلى ما سيلاقيونه من عذاب أليم في الآخرة بقوله تعالى:
وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (السجدة 21 )
ولكن الهلاك سيصيب تلك الأقوام والذين لم ينتهوا من خلال ماجاءهم من نذير ووعيد, والذين استمروا وازدادوا في طغيانهم. ولقد عاقب الله تعالى الأقوام التي نشرت الفساد بأن أزالهم وجاء بأقوام آخرين لأنهم قضوا أعوامهم وأشهرهم وأيامهم في السعي خلف أهداف فارغة بعدما منحهم الله تعالى الغنى والعيش داخل بيوت جميلة, فلم يكونوا يدركون أن كل مالديهم من أغراض سيصيبها التلف والبلى, ولم يكونوا يعقلون بأن الذي يملكونه بين أيديهم سوف يزيل يوما ويختفي, فهم عاشو يومهم من دون التفكير في غدهم، وعاشوا دنياهم دون الاستعداد لآخرتهم, فقد ظنوا أن حياتهم الدنيوية دائمة لا تنتهي على الرغم من كون حياتهم الأبدية التي تبدأ بعد وفاتهم قريبة جداً منهم. وهذه الخديعة لم تمنحهم أي فائدة حيث أصبحت هذه الكوارث التي حلت بهم,عبرا لاتنسى على الرغم من مرور آلاف السنين حيث انتقلت من جيل إلى آخر.


قوم ثمود

قوم ثمود هو أحد الأقوام التي دمرها الله تعالى لكفرهم وطغيانهم والصد عن سبيل الله.
وكما أشار القرآن الكريم فقد كان أهل ثمود وقومه أغنياء وأقوياء, وكانوا يشتهرون كثيراً بأعمال الحرف الفنية, وقد بينت الآيات الكريمة مهارة قوم ثمود حيث قال الله تعالى:

وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأرض تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الأرض مُفْسِدِينَ
(الأعراف 74 )


وآية أخرى تبين حال معيشة قوم ثمود :


أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِين فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ وَتَنْحِتُونَ مِنْ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (سورة الشعراء 146 – 149)
وقد بعث الله تعالى سيدنا صالح عليه السلام رسولا لكي ينذر قوم ثمود ويخيفهم من عذاب الله الشديد حيث ملكهم الغرور نتيجة عيشهم حياة مرفهة ومريحة.


وكان سيدنا صالح عليه السلام شخصا معروفا بين قومه, وقد ذهلوا حين دعاهم لكي يبتعدوا عما هم فيه من ضلال وانحراف. فالأكثرية من قومه لم يقبلوا دعوته لهم إلا قلة من قومه أذعنوا لما دعاهم إليه, ولقد اتخذ الأغنياء وأصحاب النفوذ والقوة عند قوم صالح عليه السلام موقفا عدائياً إذاء دعوته حيث كان هؤلاء الأشخاص هم الأكثر عنادا وإنكاراً لسيدنا صالح عليه السلام ولدعوته, وقد عمد هؤلاء المعاندون والمنكرون إلى الضغط على الذين أذعنوا لرسالة سيدنا صالح عليه السلام من خلال التضييق عليهم وعرقلة مسعاهم. وحينما كان سيدنا صالح عليه السلام يدعوهم لعبادة الله تعالى كانوا يظهرون غضبهم الشديد. وفي الحقيقة فإن هذا الصد والغضب لم يكن شيئا خاصا بقوم ثمود, بل هم وقعوا في الخطإ نفسه الذي وقع فيه قبلهم كل من قوم نوح وقوم عاد.


والقرآن الكريم أشار إلى الأقوام الثلاثة هذه بقوله تعالى :
أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أيديهم فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أرسلتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إليه مُرِيبٍ
(سورة إبراهيم 9 )


وقد كانوا قوما جادين في الوقوف ضد صالح عليه السلام بل وضعوا الخطط لقتله. وقد حذرهم نبي الله صالح عليه السلام من خلال ما ورد في الآيات التالية:
أَتُتْرَكُونَ فِيمَا هَاهُنَا آمِنِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَنَخْلِ طَلْعُهَا هَضِيمٌ وَتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبَالِ بُيوتًا فَارِهِينَ (سورة الشعراء الآية 146_149)
حيث خاطب أشراف ثمود الذين كانوا يظنون بأن هذا النعيم الذي هم فيه سوف لن يزول أبدا, بعدما خدعوا بالمظاهر الدنيوية الكذابة وزينتها الزائلة وقد ازداد طغيان قوم ثمود وظلمهم لأنهم كانوا غير مؤمنين بأن هناك عذابا شديدا سيلحق بهم. وقد وصل الأمر بمكابرة قوم ثمود وضلالهم بأن تحدوا سيدنا صالح عليه السلام وقالوا له:
فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أمر رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنتَ مِنْ الْمُرْسَلِينَ
( سورة الأعراف 77 )

ومقابل هذا أخبرهم نبي الله صالح عليه السلام بعدما أوصى الله تعالى له بأن الهلاك واقع بهم لامحالة خلال ثلاثة أيام:
فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أيام ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ
( سورة هود 65 )
وهكذا هلك قوم ثمود وتحقق إنذار سيدنا صالح عليه السلام:
وَأخذ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِين كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُوداَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ
( سورة هود 67 – 68 )
ومن هنا يتبين أنه ما من قوم عاشوا على وجه الأرض عاندوا وتكبروا إلا أصابهم الله تعالى بالعذاب غير آبه بماكانوا يملكونه من عظمة وثروة.
واليوم نرى بأنه ليس هناك أي أثر لقوم ثمود وماكانوا يملكونه من مال وقوة, والذين تمادوا في طغيانهم وكفرهم حتى أنهم كانوا مستعدين لقتل رسول الله صالح عليه السلام. لقد كان مصير هؤلاء البشر الذين لم تعرف حتى أسماءهم مثل مصير بقية الكفار والمعاندين، نار جهنم خالدين فيها, وهذه النهاية هي عبرة ينبغي على البشر أن يتدبروها ويفكروا فيها.



أهل سبأ


تناول القرآن الكريم أهل سبأ :
لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آية جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُور فَأَعْرَضُوا فَأرسلنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ ( سورة سبأ 15 – 17)
فوفقا لهذه الآية الكريمة فإن أهل سبأ كانوا يعيشون حياة مرفهة، حدائق وبساتين وافرة, وكل ما كان الله تعالى يطلبه من قومه هو أن يشكروه على هذه النعم التي أسبغها عليهم, ولكن هؤلاء كذبوا بذلك وحسبوا بأنهم يملكون القوة والقدرة الكبيرتين, واغتروا بما لديهم, فكان العذاب هو مصيرهم الحتمي.



السومريون العظماء

عندما نبتعد عن شواطئ دجلة والفرات في جنوب العراق تمتد أمامك قفار شبيهة بالصحراء, تبدوا هنا وهناك تلال عديدة في هذه القفار الواسعة, لأن بقايا وآثار مدن كبيرة توجد تحت التلال المغطاة بالرمال, وقد أنشئت قبل 45 قرنا، وكانت تنبض بالحياة, محاطة بالقنوات والجداول والبساتين والحدائق الغناء. ولم يتبق من هذه المدن الآن سوى الرمال التي تنثرها العواصف وتاوى إليها بنات آوى والعقبان, ويخيم عليها صمت الموت. بينما كان يعيش فيها في يوم ما مجتمع حقيقي وحياً كمجتمعاتنا المعاصرة. وقد عاش أناس ذلك الزمان كما نعيش نحن في هذا العصر, وأسسوا وبنوا مدنا عظيمة ومدهشة.
هذه الجمل تعود إلى عالم الآثار الشهير "Guy Rachet".

لقد كانت الجنازة التي تم إعدادها لملكة ذلك العهد، وتدعى بوابي حقا ملفتة للنظر. فقد تم نقل معلومات من مصادر مختلفة فيما يخص هذه الجنازة. فقد تم تزيين جسم الملكة الميت بشكل مدهش لامثيل له, فقد تم تزيين فالقسم العلوي من جسدها زين بغطاء وقلائد مصنوعة من الفضة والحجر الأزرق والعقيق الأحمر وعشرات الأنواع المختلفة من الأحجار الثمينة, بالإضافة إلى طبقة إضافية من أحجار اللؤلؤ الثمينة والعقيق الأبيض، بينما القسم الأسفل للجسد وحسب ما نقلت عنه المصادر التاريخية فقد كانت مغطاة بغطاء وأهداب هذا الغطاء كانت تحوي على أحجار اللؤلؤة المحفورة, وكذلك نفس مجموعة الأحجار الثمينة والتي كانت تغطي القسم العلوي من الجسد. وكذلك كانت هناك باروكة شعر ثقيلة تغطي رأس الملكة وفوقها تاج على شكل ورود وأوراق من الذهب الخالص, وتزين أذنيها بأقراط تحوي أحجارا ثمينة وكانت توضع قرب راس الملكة مجوهرات ثمينة لها خاصية اللمعان الشديدة عند سقوط الضوء عليها حسب ما نقلته لنا المصادر التاريخية.

ولكن رغم دخول الملكة قبرها مع كل هذه الكنوز, فإنها لم تحفظها من أن لا تتحول في النهاية إلى هيكل عظمي حالها حال كل البشر الذين دفنوا تحت التراب.

فقد دفنت تحت التراب حالها حال الفقير والضعيف والذي اعتبرته حقيرا لايعني عندها شيئا فإن بدنها قد أصبح غذاء تتغذى عليها الحشرات الأرضية والبكتيريا حيث تتعفن شيئا فشيئا, وينتهي بها الأمر إلى أن تكون هيكلاً عظمياً.
إن هذا المشهد المثير يمثل عبرة لنا, ومفاده أنه مهما كانت درجة الغنى ومهما عاش الإنسان حياة مملؤها الأبهة والعظمة فإن كل هذه سوف لن توفر له أي فائدة تذكر.



حضارة كريت

هذه الحضارة التي اختفت فجأة كانت تمثل أولى أكبر الحضارات في القارة الأوروبية التي كانت مهدها مدينة كريت القرن الرابع عشر قبل الميلاد. فقد أنشأ القادمون من آسيا واليونان الذين سكنوا فيها قبل 2000 سنة قبل الميلاد, القصور الفخمة والعظيمة. ولكن أهم ماكان ما يلفت النظر عند هذا الشعب هو مفهوم الهوى المنحرف.
لذلك فقد كان الله تعالى يرسل لهم بين الحين والآخر هزات أرضية خفيفة الشدة كي ينذرهم وينبههم لكي يبتعدوا عن هذا الانحراف ولكي يتذكروا يوم القيامة. ولكن في النهاية حدثت كارثة كبيرة. فقد انفجر بركان في جزيرة ثيرا التي هي جزء من مجموعة جزر كيكلادس التي تقع في شمال جزيرة كريت، ونتيجة لهذا الانفجار الهائل حدثت هزة أرضية عنيفة دمرت القصور العظيمة في جزيرة كريت، وقد غطت السحب البركانية الرمادية سماء المدينة وغرقت المدينة في ظلام دامس, كما أن الرماد غطى أنقاض القصور المتهدمة. فقد حدث في البحر هيجان عظيم لم يشهد له مثيل من قبل, فقد دفن ميناء كانوسوس تحت مياه البحر. لقد كان انهيار قصور كريت شيئاً يبعث على الرعب, فقد غطت الأمواج البحرية العملاقة في وقت واحد جميع المدن الساحلية ودفنتها تحت المياه.
لم تكن حضارة كريت التي كانت في العديد من النواحي من أهم الحضارات في تلك الفترة أن تعتقد بأن نهايتها ستكون على هذه الشاكلة المرعبة، حيث أن هذه الكارثة المرعبة كانت السبب الرئيسي في هلاك أغلبية سكانها وتدمير قصورها العظيمة, فمن ورائهم لم يبق هناك أناس يتباهون بغناهم, وكذلك لم يبق ما كانوا يحلمون به من حياة خالدة. وما تبقى هو مجرد أطلال حضارة اندثرت ومجرد أبنية متهدمة متناثرة هنا وهناك. ويشير القرآن الكريم إلى وجوب اتخاذ مصير مثل هذه الحضارات القديمة عبرة للإنسان المعاصر بقوله تعالى :
أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ
(سورة السجدة 26 )



كارثة بومبي


حسب ما تورده المصادر التاريخية فقد كانت مدينة بومبي ( تقع الآن في إيطاليا ) قبل 2000 عام من أكثر المدن التي تتمتع بحياة رغيدة. وقد كانت المدن في العصور القديمة تعرف من خلال ما تشتهر به من ترف وبهجة لا تعرف الحدود، لذلك كانت مدينة بومبي إحدى هذه المدن. والزائر الآن لايجد في هذه المدينة سوى خرائب هنا وهناك حيث كانت في يوم ما محلا تنتشر فيه محلات بيع الخمور وبيوت الدعارة, وكانت هذه المدينة التي كان يقصدها الأغنياء من أهل روما ويفضلونها تقع في وسط تحدها من جهة غابات جبال فينوس والبحر من جهة أخرى. ولكن نتيجة لانفجار إحدى أهم براكينها في التاريخ أدت إلى طمس معالم هذه المدينة الجميلة، ويمكن اليوم رؤية جميع تفاصيل حياة أهل روما بعدما تحولوا إلى أحجار بفعل الحمم البركانية التي انبعثت نتيجة ذلك الانفجار الهائل.
لقد وقعت الكارثة في صباح 24 آب من سنة 79 ميلادية حيث جاء أغنياء الرومان لقضاء الصيف في القصور الفخمة المبنية على سفوح جبل فيزرف في مدينة بومبي. فقد بدأت في بادي الأمر بهزة أرضية انطلقت بعدها أصوات انفجارات مدوية منطلقة من الجبل هزت السماء. وحسب مانقلته المصادر التاريخية فإن أعمدة من النيران كانت تنطلق باتجاه السماء والتي كان يعقبها دخان عظيم. وفي الوقت نفسه كانت السماء ترتج بفعل الانفجارات الجديدة, وبدأت وابل من الأحجار والرماد والتراب والحمم البركانية في التساقط على المدينة على شكل قطع صلبة. وقد تملك سكان مدينة بومبي الرعب الشديد لكونهم كانوا أقرب من جبل فزوف البركاني فأخذوا في الفرار بعدما تملكهم الخوف الشديد نتيجة لتقدم سيل من الطين الحار الملتهب والذي تحرك باتجاه المدينة على شكل أمواج متدفقة, وأما الذين لم ينجحوا في الهرب فقد دفنوا تحت أنقاض البنايات المتهدمة وتحت الحمم البركانية المنصهرة ولكن الشئ الذي يبعث على الحيره بل ويجب أن يتخذ عبرة هو ماوجده وماشاهده علماء الآثار من معلومات نتيجة الحفريات التي أجروها هو تردد أكثرية أهالي المدينة في ترك المدينة خلال الكارثة. فقد لجأ الأغنياء والذين لم يفكروا في ترك أموالهم وممتلكاتهم إلى بيوتهم كي يحتموا من تساقط الرماد الحارق عليهم إحساسا منهم بإمكانية ان يجدوا الملاذ الآمن, ولكن الوقت قد فات لكي يفروا وماتوا.
فقد انمحت من التاريخ خلال يوم واحد جميع أشكال الحياة في كل من مدينة بومبي وبعض القرى المحيطة بها. وقد ذكر القرآن الكريم أخبار الذين لاقوا حتفهم على هذه الشاكلة بقوله تعالى :
ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ (سورة هود 100)
بعد إجراء الحفريات والبحوث تبين أن سكان بومبي كانوا وكأنما قد تجمدوا فجأة , فقد ظهر شكل الأهالي وهم متحجرون أثناء لفظهم أنفاسهم الأخيرة,فقد دهمتهم الكارثة فجأة. وحسب ما أخبر عن ذلك القرآن الكريم :
وَكَذَلِكَ أخذ رَبِّكَ إذا أخذ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أخذ هُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (سورة هود 102 )


للعلم :
لقد دمرت مدينة بومباي ذات العشرين ألف نسمة وقتل معظم سكانها مع جميع ما كانت تمتلكها من آثار فنية جميلة. ولقد دمر الزلزال هذه المدينة الجميلة وقضى على آثارها الجميلة.


إن ما نشاهده اليوم من آثار تعود إلى حضارات عاشت قبل مئات الآلاف السنين تظهر بوضوح أنه على الرغم من كل ما كانوا يتمتعون به من غنى, فإن هذا لم يمنحهم أي فائدة تذكر. وإن كل شئ تركوه من خلفهم أضحى ميراثا للذين أتوا من بعدهم, وتجدر الإشارة هنا إلى أن أكبر وهم وقع فيه أولئك الذين عاشوا في مثل هذه المجتمعات واندثروا هو اعتقادهم بأنهم سيملكون النعم الدنيوية إلى الأبد, وماصنعوه من أبنية سوف تجعلهم مخلدين إلى الأبد، وهذا الوهم نراه واضحاً في يومنا هذا، فالملاحظ أن الإنسان يحاول أن يجعل ذكراه تعيش إلى الأبد بقيامه بعمل مختلف الآثار الفنية لترسيخ هذه الفكرة, والقسم الآخر منهم من يضحي بالكثير كي يقوم بجمع المزيد من الأموال ظناً منه أنها ستعود عليهم بالفوائد الكبيرة.


وهؤلاء قد تجاوزوا الذين سبقوهم من قبل لما أبدوه من الزيغ والضلال وحتى عدم اكتراثهم لجميع أنواع الإنذارات التي أرسلها الله تعالى لهم ليكفوا عن ما هم عليه. ولكن هناك حقيقة مهمة جدا ً يجب على هؤلاء الأشخاص أن لاينسوها, وهي أخذ عبرة خلفتها شواهد وآثار عظيمة لمجتمعات وجدت من قبل ثم اندثرت فلم يبق في هذه الدنيا أحد منهم مخلدا. والذين سعوا إلى تخليد ذكراهم قبل موتهم في هذه الدنيا بما قام به من أعمال وما تركه من آثار لم تجلب لأجسامهم المتآكلة أي منفعة تذكر, ولكن بقايا الآثار الموجودة تمثل عبرة للذين يريدون أن يستخلصوا العبر والدروس من هذه الدنيا, ولكي لا ينسوا ويتذكروا ما سيحل بهم من عذاب إلهي أليم. ولهذا فإن الله تعالى من خلال هذه الأمثلة ينذر الذين يتعلقون برغبة شديدة بهذه الدنيا. ومما لاشك فيه أن الذين يتدبرون ويأخذون الدروس من هذه الحوادث سيعلمون أن الله تعالى قد أوجد هذه الحوادث, وأنه قادر في أي لحظة أن يمتحن البشر بإرسال أشد أنواع العذاب. إن الدنيا هي فقط مكان الاختبار والامتحان. فالذي يؤدي هذا الامتحان حسب ما يطلب منه فإنه سيكون رابحا. أما الذين يرون هذه الدنيا دار بقاء، فإنهم سيواجهون خسارة مماثلة كما هو الحال بالنسبة للأقوام التي مر ذكر أحوالها في الأمثلة السابقة. وهذا بالتأكيد ناتج عما جنته أيديهم وأنهم في الآخرة سيحاسبون على ما اقترفته أيديهم وماقاموا به من الأعمال ولاشك أن الله تعالى هو الذي يعرف المحسن من المخطئ.



الآخرة هي دار البقاء


يحسب العديد من الناس أن بإمكانهم تأسيس حياة كاملة لاينقصها شئ في هذه الدنيا، لأنهم يظنون أنهم حازوا على الثروة المادية الضرورية, فإن حياتهم في هذه الدنيا تكون كافية لإشباع جميع حاجات الإنسان وتطلعاته، وكافية لإسعاده. وحسب القناعة السائدة فإن الإنسان يكون قد أسس حياة كاملة لايشوبها أي نقص ان حصل على ثروة مادية وعلى بيت سعيد أو حاز على شهرة وصيت ذائع يجعله محترما في عيون الآخرين. . . هذا هو مايحسبونه.
بينما لا نعثر في كتاب الله تعالى على مثل هذه النظرة ولاعلى ما يؤيدها. بل على النقيض فالقرآن الكريم يقول بأن الحياة الدنيا لايمكن أن تكون كاملة ومثالية دون نقص لأنها صممت على قاعدة وعلى أساس النقص وعدم الكمال.
إن اشتقاق كلمة الدنيا يحمل إيماءة مهمة في هذا الموضوع، لأنها مشتقة في اللغة العربية من " الدناءة " وهي صفة للشيء الذي لايملك قيمة. والدنيا هي محل وضع هذه الصفة. لذا وكما مر بنا في فصول هذا الكتاب فقد كرر القرآن عدم أهمية هذه الحياة الدنيوية، وأشار إلى أن جميع أشكال الزينة الموجودة في هذه الحياة كالغنى وحياة العمل والزواج و الأولاد والنجاح لا قيمة لها وهي من المتاع الزائل:

اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَ الأولاد كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخرة عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ( الحديد 20 ).

وفي آية أخرى:
بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَ الآخرة خَيْرٌ وَأَبْقَى ( الأعلى 16 – 17 )
والحقيقة أن المشكلة تبدأ – كما تذكر الآية أعلاه – عند إيثار الحياة الدنيا على الآخرة، لأن الإنسان عندما يؤثر الحياة الدنيا على الآخرة يكون قد أدار ظهره لله تعالى هو الذي يقول في كتابه:
إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ
( يونس 7 )


وينذرهم بأن مصيرهم إلى النار. إن نقص الحياة الدنيا وعدم كمالها لايعني طبعا عدم وجود أشياء جميلة فيها. فقد ملأ الله تعالى الدنيا بنعم عديدية لا تذكر. ولكن بجانب أو جه الجمال هذه. فقد تم وضع أوجه قبح وأوجه نقص وقصور فيها تذكر بجهنم وبعذابها. وبسبب ما تقتضية حكمة الابتلاء والامتحان في الحياة الدنيا فقد وضعت الصفات العائدة للجنة مختلطة مع الصفات العائدة لجهنم، وهكذا يستطيع المؤمنون أخذ فكرة واضحة عن الجنة وعن جهنم من جهة، ويتوجهون نحو الآخرة وهي الدار الخالدة والكاملة البريئة عن أي نقص بدلا من التوجه للحياة الفانية القصيرة للدنيا والانخداع بها. والدار الآخرة هي الدار التي يرتضيها الله تعالى لعباده. ويشير القرآن إلى أن الدار الآخرة هي الدار الأبدية للإنسان والدار الحقيقة وهي دار القرار لهم. لذا كان من الواجب ومن الضروري بذل كل الجهد للفوز بالدار الآخرة والفوز بنعيم الجنة وهذا هو ما يأمر به الله تعالى عباده:
وَسَارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ والأرض أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ
( آل عمران 133 ).

  • 0

صورة



أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم و أتوب إليه


#18 أخــ نورعيني ــوكم

أخــ نورعيني ــوكم

    نور عيني يا رسول الله

  • فرسان لهم بصمات
  • 2,223 مشاركة
  • الجنس:ذكر
  • الدولة:كل بلاد الإسلام أوطاني
  • الهوايات:• القراءة
    • الشعر
    • الإنترنت
    • رياضة المشي

تاريخ المشاركة 21/03/2009 - 04:16 ه

السلام عليكــم ورحمـة الله وبركاتــه ،،

الجزأ العاشر :


وضع المتنافسين للفوز بالجنة


لقد بشر القرآن الكريم المؤمنين بأجر كريم وبمغفرة وبثواب وسعادة لاحد لها، ولكن هناك أمراً كثيراً ما يغيب عن البال وهو أن المؤمن يعيش هذه البشارة ضمن شريط الزمن اللانهائي الممتد إلى الجمال اللامحدود وهو لايزال في الحياة الدنيا، لأن المؤمن علاوة على أنه مبشر بالجنة في الآخرة فلم يترك محروما من ألطاف الله تعالى ونعمه في هذه الدنيا. ويذكر القرآن الكريم أن المؤمنين الصالحين سيحيون حياة طيبة في هذه الحياة الدنيا:
مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أو أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (النحل / 97 )
إن قيام الله تعالى بمنح عباده الصالحين ألطافا دون أي مقابل كتشويق وحث وصوراً عديدية من الإحسان والإنعام قانون لايتغير. ونظرا لكون الغنى والعظمة والجمال من أخص صفات الجنة ومن أسسها، لذا يخلق الله تعالى في هذه الدنيا لعباده المصطفين الأخيار، ولعباده الذين يحبهم ويرضى عنهم نعما تذكرهم بنعم الجنة وتشير إليها ليزيد من شوقهم إلى الجنة. لذا فكما يبدأ العذاب اللانهائي للمنكرين والملحدين في هذه الحياة الدنيا كذلك يبدأ الجمال اللانهائي في الموعود للمؤمنين والصالحين في حياتهم الدنيوية. وقد يبتلي الله المؤمنين في هذه الحياة بصور من الضيق والمصاعب والآلام ولكن المؤمنين الصابرين لوجه الله تعالى يتذوقون من هذه المحن والآلام لذائذ معنوية لايمكن أن تخطر على بال المنكر.


إن المؤمن يعيش في هذه الحياة الجديدة بعيدا عن أي هم أو حزن أو ضيق نفسي طوال حياته في الدنيا لأنه يعلم بأنه باتباعه أوامر ونواهي خالقه وبعيشة شكل الحياة الذي يحدده الدين الذي اختاره له سيعيش افضل حياة. وهو يحمل بعد وفاته آمالا كبيرة حول حياته الأخروية، ويتوقع أفضالا ًعديدة من ربه، فهو يعلم قبل كل شئ بأن عون ربه وتأييده له على الدوام. ومثل هذا الأمن والطمأنينة والسكينة التي يشعر بها المؤمنون ناشئة من علمهم بأن كل صلاة وعمل صالح يقومون به طالبين رضا الله تعالى يسجل في دفاتر حسناتهم من قبل الملائكة, كما يعلمون بأن الله تعالى يؤيدهم ويحفظهم بملائكة لا يرونها.
لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (الرعد 11)


ويعلم المؤمنون بأن النصر حليفهم في كل كفاح يدخلونه في سبيل الله, وأنهم هم الموعودون بالجنة، وهذا يعطيهم شعوراً بالثقة وبالأمل لعلمهم بأن الله تعالى قد أمر ملائكته بنصر المؤمنين وتثبيتهم.


إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (الأنفال 12)


المؤمنون هم الذين ورد ذكرهم في القرآن الكريم:
إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (فصلت 30)
وهم يعلمون مع هذا أن الله لا يكلف أحدا ً فوق طاقته:
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
(الأعراف 42)


ولأنهم يؤمنون بالقدر وأن الله تعالى هو فاعل كل شيء, لذا يعلمون أن كل ما يصيبهم هو من عند الله:
قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ (التوبة 51)
لذا يتوكلون عليه ويرضون بحكمه:
الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
(آل عمران 173- 174)


لذا لا يصيبهم أي مكروه . ولكن بما أن الدنيا دار امتحان وابتلاء فمن الممكن أن تظهر العديد من الصعوبات أمام المؤمن كالجوع والمرض والأرق وحوادث السير والخسائر المالية....إلخ.
وقد يمتحن بالفقر والبأساء والضراء. والآية الكريمة الآتية تسجل بعض هذه الابتلاءات:
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (البقرة 214)


ولاشك أن هذه البأساء والضراء والمصاعب التي ظهرت أمام الرسول وأمام المؤمينين معه لم تزدهم إلا عبودية لله تعالى وخشية منه ورضا ً بقضائه, وزادت أشواقهم الى الجنة. علماً بأن الله تعالى يبشرهم في نهاية الآية بأن نصر الله قريب, وفي النتيجة:
وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمْ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (الزمر 61)
ولما كان المؤمن يعلم بأن المصاعب هي لامتحان إيمانه أنها وأوجدت لهذا الغرض فإن أظهر صبراً وتوكلاً فسينال ثوابا ً كبيرا ً في الآخرة, وستكون عاملا ً لنضوجه وفرصة لكماله, لذا فلا يفقد شيئاً من أمنه وطمأنينته وسكينة نفسه. ولا تستطيع هذه المصاعب النيل من سكينة نفسه بل سيزداد شوقه وحماسته.


بينما يكون الوضع على النقيض بالنسبة إلى الكافر الذي يتعذب لا جسدياً فقط بل نفسياً وروحياً.
إن المشاعر السلبية كالخوف والحزن والأسى والقلق والتشاؤم من المشاعر الرئيسية الملازمة و اللصيقة بمشاعر الملحد والمنكر. وهذه المشاعر السلبية تعد بداية مصغرة للجانب المعنوي من العذاب الذي سيتجرعونه في جهنم ويشبه الله تعالى هؤلاء الضالين والمنحرفين كما يأتي:
فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ( الأنعام / 125 )
ومقابل هذا يخبرنا الله تعالى في آيات أخرى كيف أنه يحسن لعباده المؤمنين الصالحين الذين يستغفرونه ويتوبون إليه ويؤتهم من فضله في هذه الحياة الدنيا :

وَأَنْ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إليه يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ ( هود / 3 )


وآية أخرى يعرف القرآن الكريم الحياة الدنيوية للمؤمن:
وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الآخرة خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ ( النحل / 30 )
إن الدار الآخرة خير من دار الدنيا هذه وأفضل، وعندما يتم قياس صور الجمال الموجودة في هذه الدنيا بالموجود في الآخرة نرى أنها تتضاءل حتى تفقد كل قيمتها. لذا فإذا تعين علينا تعيين هدف لنا، لكان من الضروري أن تكون الدار الآخرة هي الهدف. والمؤمنون الذين يسعون الدار الآخرة يغمرهم الله تعالى بأفضاله في حياتهم الدنيا هذه.



الجنة : الوطن الحقيقي للمؤمنين


لقد وعد الله الجنة لعباده المؤمنين. ووعد الله حق لاريب فيه أبداً. والذين يؤمنون بأن هذا الوعد سيتحقق حتما، لايحملون في جوانحهم أي شبهة أو قلق أو ريبة. وعندما يسلمون أرواحهم كمؤمنين يعلمون بأن ذنوبهم ستغفر لهم وبأن أبواب الجنة ستفتح لهم وسيدخلونها
جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا ( مريم /61 )
وأخيرا تقبل تلك اللحظة المرتقبة، وتكون الجنة – التي هي الدار الحقيقة للمؤمن ودار القرار له التي تمناها المؤمن طوال حياته وعمل كل ما في جهده للفوز بها ونيلها - قد تهيأت للمؤمنين. والقرآن الكريم يرسم صورة رائعة لدخول المؤمنين الجنة.
جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى ( الرعد 23 -24 )



صور الجمال في الجنة


مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوا
وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ ( الرعد 35 )
قبل الولوج في الموضوع هناك نقطة مهمة يجب بيانها: إن الفكرة الشائعة من أن الجنة تحتوي فقط على مناظر طبيعية جميلة وعلى بساتين وأنهار جارية. . . هذه الفكرة ليست فكرة قرآنية. لاشك أن جمال الطبيعة والبساتين والأشجار والأنهار تكمل الجو الساحر للجنة. وهذه هي الحكمة من وجود القصور في الضلال والبساتين التي تجري من تحتها العيون والأنهار. ولكن هذه البساتين والمساحات الخضراء لا تكفي لتعريف الجنة تعريفا شاملا وكافيا.
إن صور الجمال في الجنة ونعمها خارج نطاق كل التصورات وخيالات الإنسان وخارج قدرة الإنسان في التعبير عنها فقسم منها تذكر بما كان موجودا في الدنيا وقسم منها جديد كل الجدة ولم يعرفه الإنسان من قبل:
ذَوَاتَا أَفْنَانٍ ( الرحمن / 48 )

ويجب أن يكون معلوما لدينا بأن صورا عديدة من الجمال ومن المفاجات أعدها الله تعالى بعلمه اللانهائي للمؤمنين في الجنة وجعلها في انتظارهم، وفي الآية الآتية يخبرنا الله تعالى بأن كل شيء سيتحقق حسب مشيئة المؤمن وإرادته وطلبه للجنة.
تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الكَبِيرُ ( الشورى / 22 )
أي أن قوة خيال الإنسان ستؤدي بإذن الله ولطف منه إلى تشكيل صور جمال عديدة في الجنة علاوة على صور الجمال الموصوفة في القرآن الكريم.


الجو الذي سيعيش فيه المؤمنون في الجنة

وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( التوبة 72 )

البيوت التي عاش فيها المؤمنون في الحياة الدنيا هي بيوت طاهرة.

فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ ( النور 36 )
وستكون بيوت الجنة مشابهة لهذه البيوت يذكر فيها المؤمنون الله سبحانه وتعالى ويشكرونه على أفضاله ونعمه. فكما أن المساكن الجميلة الطاهرة التي يعيش فيها المؤمنون من قصور ومنازل يمكن أن تكون ضمن جو الجمال الذي ذكرناه في السابق، كذلك يمكن أن تكون ضمن مدن حديثة جدا ذات هندسة معمارية راقية، وتملك لمسات جمالية عديدة.

المساكن المذكورة في القرآن مقامة ضمن أجواء من الجمال الطبيعي، فمثلا تذكر إحدى الآيات القرآنية:
لَكِنْ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ ( الزمر 20 )
قد يكون لهذه المساكن العالية المذكورة في هذه الآية نوافذ واسعة للإشراف على هذه المناظر، فيها صالونات واسعة تحيط بها النوافذ من جهاتها الأربع. وهكذا يتمتع المؤمن بمساكن موثثة بأجمل ديكور يتمناه الإنسان، وعندما يسترخي على كراسي ناعمة ويرزق بأطيب الفواكه والأشربة يتطلع من مكانه العالي على أجمل المناظر التي تخلب الألباب.
يكون تصميم هذه القصور وتأثيثها بأفضل الأثاث وأجوده وبألوان متناغمة، فيها كراسي مريحة وأسرة متقابلة يذكرها القرآن الكريم في عدة آيات:
عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ ( الواقعة 15 – 16 )
مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهم بِحُورٍ عِينٍ ( الطور 20 )


وكما يتبين من هذه الآيات فالسرر هنا رمز للغنى والعظمة والقدرة. والله تعالى رأى المؤمنين مستحقين لمثل هذه النعم في الجنة. والمؤمنون - وهم متكئون على هذه السرر – يذكرون الله ويشكرونه ويحمدونه:
وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ ( فاطر33 –35)


والشئ الغالب في مواد الجنة أنواع عديدة من عناصر الأناقة وصور الجمال التي هي انعكاس للفن وللعلم اللا محدود لله تعالى, مثلا ً فالأسرة المحلاة بالجواهر موضوعة في أماكن عالية ومرتبة ومؤثثة بعناية، والملابس من الحرير ومن الاطلس مزينة بقلائد من الفضة والذهب. ومع ورود تفاصيل عديدة فالله تعالى استعمل في وصف الجنة عبارات تترك مجالاً للخيال أيضاً. وبإمكان المؤمن أن يختار ما يعجبه من أنواع الزينة والأثاث. ولاشك أن الله تعالى هيأ لعباده المؤمنين الذين استحقوا الفوز بالجنة مفاجآت عديدة لا يمكن أن تخطر على بال أحد ولا على خياله.

الجنة تفوق جميع الخيالات


يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
( الزخرف 71 )
إن الشروح الواردة في القرآن حول الجنة وتصويرها وتقديم الأمثال عنها تنطلق من كونها ليست غريبة تماما عن الموجود في الدنيا بل تحمل بصمات من الشبه بها لذا يقول الله تعالى:
وَيُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ( محمد 6 )


لذا نستطيع بإذن الله معرفة الحياة في الجنة ونحن لا نزال في الحياة الدنيا، وأن نملك حولها المعلومات، وهذه المعلومات هي المعلومات التي علمها الله لنا لكي تكون وسيلة للتفكر في الجنة والشوق إليها. ولكن لا يمكننا القول بأن هذه المعلومات تصف الجنة تماما ومن جميع جوانبها وأوجه النعم فيها، ففي بعض الآيات تمت الإشارة إلى نقطة مهمة وهي أن أوصاف الجنة هذه هي لتحريك قوة الخيال عندنا. وقبل تقديم هذه الآيات علينا أن نذكر أمرا مهما وهي أن آيات مثل:
مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ ( محمد / 15 )
فهذه الآية تشير إلى أن الجنة مكان يفوق الخيال الإنساني، وإلى أنها دار المفاجآت التي لا تخطر على قلب أحد. والآية الآتية تصور الجنة كمكان ضيافة واحتفال:

لَكِنْ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ ( آل عمران 198 )
ولاشك أن الفوز في امتحان الحياة الدنيا والوصول إلى دار المقامة حسب تعريف القرآن للجنة أي إلى الموطن الحقيقي والباقي للمؤمن أمر يستحق الاحتفال به. ولاشك أن مثل هذا الاحتفال سيكون من العظمة ومن الأبهة بحيث لا يمكن قياسه بأي احتفال لأي قوم في الدنيا منذ خلقها وحتى فنائها.


وهذه الاحتفالات في الحياة الأبدية، والتمتع بأنواع لاتعد ولاتحصى من النعم والمسرات سمة خاصة بالجنة التي لا يصاب فيها المؤمن بأي نوع من أنواع التعب أو الملل أو النصب، لذا نرى المؤمنين يقولون وهم يحمدون الله تعالى:
الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ ( فاطر 35)
ولاشك أن التعب الذهني أو النفسي أو المعنوي يندرج في هذه الآية.
الإنسان في ظروف الحياة الدنيا يتعب بسرعة لأنه خلق ضعيفاً. وعندما يتعب يتكدر ذهنه ويضعف عنده التركيز، ويضعف عنده التفكير السليم. بينما لايوجد هذا الأمر في الجنة، فذهن المؤمن يكون هناك صافياً وشعوره حاداً على الدوام لكي يستطيع إدراك نعم خالقه تمام الإدراك ودون أي نقص. ونظراً لانتفاء الشعور بالتعب في الجنة، هذا التعب الذي يعد من نقائص الحياة الدنيا يكون بإمكان المؤمن هناك الاستفادة القصوى ودون أي حدود من النعم اللانهائية الموجودة في الجنة. ويكون الشعور باللذة هناك دون أي انقطاع، بل يكون هناك انتقال من نعمة إلى أخرى، ومن لذة لأخرى. وقد تم التعهد من قبل الله تعالى على عدم حدوث أي ملل أو سأم هناك.
والله تعالى يسبغ على المؤمنين في الجنة نعمه في جو يخلو من التعب ومن النصب ومن السأم ومن الضجر، فيخلق لهم كل ما يشتهونه:
لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ( ق / 35 )
أي أن الله تعالى يهب لهم حتى ما لا يخطر على بالهم ولا يبلغه خيالهم، فيحصل المؤمنون هناك على أضعاف وأضعاف ما كانوا يتمنونه.


ويجب ألا ينسى أحد بأن أهم نعمة في الجنة – التي هي دار المقامة – هو الصيانة والحفظ من نار جهنم. ( أنظر سورة الدخان / 56 ) فلا يسمعون حسيسها ( سورة الأنبياء / 102 ) ولكنهم يستطيعون مشاهدة أهل جهنم والتحدث معهم أن شاؤا وهذا الأمر يكون وسيلة لحمد وشكر عظيمين.

قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ ( الطور 26 – 28 )
الجنة مكان في الذروة من العظمة والفخامة حتى إن القرآن يقول عنها:
وَ إذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا ( الإنسان 20 )
ولا يوجد في الجنة مكان يمكن أن تقع عليه العين ولا يثير الإحساس بالجمال وبالنشوة، ففي كل شبر في الجنة ترى نعما منعكسة عن العلم اللانهائي لله تعالى، وهي نعم مهداة من الرحمة الإلهية وخاصة للمؤمنين في الجنة:
وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ ( الحجر 47 )
خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا ( الكهف 108 )



أعظم نعمة في الجنة وافضلها : رضوان الله تعالى
وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( التوبة 72 )


أشرنا في الصفحات السابقة إلى نعم الجنة التي تبهر الأبصار، وكانت النتيجة التي خلصنا إليها أن الله تعالى أفاض على المؤمنين في الجنة أنواعا ًعديدة من النعم تخاطب حواسه الخمسة.
ولكن هناك نعمة تفوق كل النعم وتفضلها وهي: رضوان الله تعالى. وهي السعادة العظمى التي يشعر بها المؤمن في الجنة عندما يعلم أنه نال رضوان الله تعالى، وهي سعادة ما بعدها سعادة. وهذه السعادة نابعة من إحساس المؤمن بأنه في موضع شكر لكل نعمة يهبها له الله تعالى. وعندما يصف القرآن الكريم أهل الجنة يقول:
قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أبدا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( المائدة 119 )


والحقيقة أن رضوان الله تعالى هو الذي يهب القيمة للنعم الأخرى للجنة. لأن هذه النعم يمكن أن توجد في الدنيا وإن كانت بمقياس أقل كثيراً. ولكن إن لم تكن ضمن رضوان الله تعالى فلا تحمل أي أهمية بالنسبة للمؤمن.
هذه النقطة الأخيرة مهمة جدا ويجب التفكير فيها جيدا، والقاعدة الأساسية هي:
إن الذي يجعل النعمة شيئا ذا بال ليس ما تحمله من لذة، بل هو شيء وراء هذا بكثير. القيمة الحقيقة تكمن في ان تلك النعمة " هبة " من قبل الله تعالى. والمؤمن الذي يستعمل تلك النعمة ويحمد ويشكر الله يعلم أنه مخاطب من قبل الله وأنه تعالى يحبه ويحفظه ويصونه، ويذيقه من رحمته، وهذا هو سر اللذة الأصلية والحقيقية للمؤمن.
لذا فقلب الإنسان لا يشبع تماما الا بالجنة. فقد خلق الإنسان لكي يعبد الله تعالى ، لذا فلا يتلذذ الا بهباته وأفضاله. وهو لا يجد الأمن والطمأنينة إلا في الأجواء التي تذكره بالجنة، أي أن الأجواء التي تستعمل فيها هذه الأفضال والهبات في شكر الله تعالى والإحساس بكرمه. أما أمنية " المدينة الفاضلة " في الدنيا والتي جالت في أذهان المنكرين فهي مستحيلة لهذا السبب. فلو قمت بجمع كل صور الجمال المادية الموجودة في الجنة فلا تساوي شيئا إن لم يكن هناك رضوان الله تعالى. لأن الله قد يمحق كل تلك النعم وكل صور الجمال تلك وكل اللذات المصاحبة لها.


والخلاصة أن الجنة نعمة وفضل وكرم من الله تعالى ولهذا السبب فلها قيمة كبيرة. وكما ورد في سورة(الأنبياء 26) فلكون الجنة هي مكافأة لأهلها فإنهم سيعيشون بسعادةٍ وفرح ٍ أبدي.وأن أحكم ما يمكن قوله هنا هو ما ورد في القرآن الكريم : تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ( الرحمن 78)

  • 0

صورة



أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم و أتوب إليه


#19 أخــ نورعيني ــوكم

أخــ نورعيني ــوكم

    نور عيني يا رسول الله

  • فرسان لهم بصمات
  • 2,223 مشاركة
  • الجنس:ذكر
  • الدولة:كل بلاد الإسلام أوطاني
  • الهوايات:• القراءة
    • الشعر
    • الإنترنت
    • رياضة المشي

تاريخ المشاركة 21/03/2009 - 04:23 ه

السلام عليكــم ورحمـة الله وبركاتــه ،،

الجزأ الحادى عشر والأخير بفضل الله

وشكرا لكم وجزاكم الله خيرا

وعذرا للإطالة سامحونى





................................................................................
........................





جهنم هي مأوى الكافرين


إن جهنم هي المكان الخاص الذي خلقه الله ليكون مثوى أبدياً للكافرين لكي يذوقوا فيها العذاب بدنياً وروحياً. ولأن الكفار هنا مذنبون, فإن العدالة الإلهية تقتضي أن يعاقب كل شخص اقترف ذنبا. إن من أكبر الذنوب وأقبحها في هذا الكون على الإطلاق هو قيام الإنسان بالعصيان والجحود بحق الله تعالى الذي خلقه ومنحه الحياة. ولكون هذا الذنب المقترف بحق رب العالمين يعتبر ذنبا كبيرا فإن ذلك يقتضي بالمقابل جزاءً كبيرا ً. لهذا فإن جهنم قد وجدت لتحقيق هذه العدالة والاقتصاص من المذنب. لقد خلق الله تعالى الإنسان لكي يقوم بحقوق العبودية الحقة تجاه رب العالمين. لذا فإنه سوف يواجه عواقب إنكاره. والله تعالى يقول في إحدى آياته:
وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ
( غافر 60 )



فما دام أكثر البشر سوف يدخلون جهنم وليس هناك أي ضمان أكيد حول خروجهم من جهنم، لذا فيجب أن يحتل هذا الموضوع لدى الناس كلهم الأولوية الكبرى. ولاشك أن أكبر تهديد يواجهنا هو جهنم, وليس هناك شيء أهم من محاولة حماية أنفسنا منها, وليس هناك عمل أهم على وجه الأرض من العمل على تفادي الوقوع في نار جهنم. وأمام هذه الحقيقة الواضحة نرى غالبية البشر وكأنهم سكارى, فهم يشغلون أنفسهم بمشاكل أخرى, وينشغلون حيث يعملون أشهر وسنين من أجل تحقيق تلك الغايات الفانية ويتناسون أكبر خطر يهددهم ألا وهو عذاب جهنم.


فهم عمي لدرجة أنهم لا ينتبهون للنار التي هي قرب رؤوسهم. والقرآن الكريم يتناول حال هؤلاء الغارقين حتى أذقانهم في الضلالة فيقول:
اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُون مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ ( الأنبياء 1 – 3 )


إن الإنسان ينغمس غالبا في رغباته وأهوائه، ويستهلك عمره كله في أشياء تافهة. فمنهم من يجري خلف مناصب عالية, ومنهم من يحاول أن يؤسس عائلة سعيدة, وغيره يدافع عن أيديولوجيات فارغة, والبعض يصرف جلٌ وقته في كسب المزيد من الأموال. وهكذا يحاولون أن يجعلوا هدفهم في الحياة تحقيق هذه الأشياء, ولا يقدرون حجم الخطورة الماثلة أمامهم. بل يرى معظمهم أن جهنم تصور لمكان وهمي. لكن جهنم هي أكثر حقيقة من هذه الدنيا التي يرتبطون بها بكل هذه الشدة. فجهنم ستظل إلى الأبد, بينما الدنيا زائلة. فالله تعالى خالق جهنم ويوم الآخرة هو خالق السماوات والأرض والبشر حسب موازين في غاية الدقة، يكشف عظمة الله تعالى وقدرته, وأن جهنم قد أعدت لتكون مأوى الكافرين والمشركين والمنافقين. وهذا المكان المخيف الذي لا يكاد يستوعبه العقل يمثل مصدراً مرعباً للعذاب ومصدراً مخيفًا للآلام يعادل أضعاف أضعاف أكبر الآلام الموجودة في الدنيا. وقد خلقت لكي تتناسب مع عظمة وجلال الله تعالى. وهناك حقيقة ثانية تصدم الإنسان ألا وهي استمرار العذاب لجميع الذين يدخلون نار جهنم إلى ما لا نهاية. هناك قول شائع ينتشر بين أفراد مجتمع الجاهلية مفاده إن الذين سيدخلون جهنم سيعذبون إلى أجل مسمى، وبعدها يتم العفو عنهم ويخرجون منها. وهذا الاعتقاد ينتشر بالأخص بين من يعتبرون أنفسهم مسلمين، ولكن لا يقومون بأداء فروض العبادات بالشكل التام والصحيح. فهم يظنون أنهم سيبقون في جهنم لفترة ما ثم يتم العفو عنهم بعدها بعدما عاشوا حسب أهوائهم في الدنيا. ولكن ما سوف يلاقونه من مصير سيكون مؤلماً أضعاف أضعاف ما كانوا يتخيلونه. لأن جهنم هي المكان الذي يستمر العذاب فيه إلى ما لا نهاية. والقرآن الكريم لم يتطرق في أي آية من آياته إلى دخول أناس إلى جهنم وتعرضهم إلى عذاب قليل، ومن ثم أخذهم إلى الجنة. بل على العكس، فإن جميع الآيات القرآنية الكريمة تتطرق إلى حقيقة كون عذاب جهنم يستمر إلى ما لانهاية، وإن جهنم قد خلقت لتكون مثوى خاصا بالكافرين, ولا مجال هناك للخلاص منها. وسيستحق العذاب الأبدي أولئك الذين أظهروا لله تعالى جحوداً وعصياناً بعدما منحهم الله تعالى من النعم والخيرات الشيء الكثير. يقول تعالى :
وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
( سورة النحل 78 )




لن تكون هناك أي فائدة للذين يقدمون المغالطات والمقاييس الفاسدة لإلهاء أنفسهم، فالحكم قد تحقق وصدر في حق هؤلاء الذين قضوا حياتهم الدنيا في الجحود والضلال، وما أظهروه من حقد دفين وعدم مبالاة تجاه دين الله تعالى, وسيتم مخاطبة أولئك الذين كانوا يتكبرون على الله تعالى:
فَادْخُلُوا أبواب جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ ( سورة النحل 29 )
وإحدى أهم الصفات المخيفة لجهنم هي عدم انقطاع عذابها أبداً. فليس هناك مجال للعودة والخروج منها بعد الدخول إليها، فهناك حقيقة واحدة هي استمرار عذاب نار جهنم إلى الأبد. ومن أهم صفات الله تعالى في الأسماء الحسنى صفة( القهار ) وتتجلى في هذه النقطة. وسيلاقي الذين سيكونون وجهاً لوجه مع هذه الحقيقة انهياراً نفسياً، لأنه لن يبق لهم أي أمل في النجاة, والقرآن الكريم يشرح لنا الوضع البائس لأصحاب النار فيقول:
وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَ أهم النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ( السجدة 20 )




بيئة العذاب في جهنم


فبعد محاسبة الكفار أمام الله تعالى يستلمون كتب أعمالهم بشمالهم، وهذا يمثل لحظة سوقهم إلى جهنم التي سيبقون فيها إلى الأبد، حيث لن يجد الكفار وسيلة للهرب، فلن يوفر تجمع المليارات من البشر يوم الحساب الفرصة لهؤلاء الكفار كي يهربوا ويختفوا عن الأنظار، ولا يستطيع أحد الاستفادة من هذا الأزدحام كي يختفي أو يجعل نفسه شخصا منسيا. وكل فرد من أفراد أهل النار سيرافقه سائق وشاهد من الملائكة:
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيد أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيب الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ ( سورة ق 20 – 26 )


وهكذا فإن الكفار سيتم سحبهم على وجوههم باتجاه ذلك المكان المخيف. وكما أفاد القرآن الكريم فإن هؤلاء الكفار سيساقون زمراُ زمراً إلى جهنم, وقبل وصولهم إلى هذا المكان وهم في الطريق إلى جهنم سيصاب هؤلاء الكفار بالخوف وبالرعب الشديد وبالهلع، حيث يسمعون ومن مسافات بعيدة أصوات شهيق جهنم وهي تتلظى بالنار:.
إذا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُور تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنْ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ( سورة الملك 7 – 8 )


وكما تبين الآية الكريمة, فإن إحساس الكفار بما سيصيبهم من عذاب جهنم سيكون واضحاً حال بعثهم من الموت حيث سيدركون أي عاقبة ستكون بانتظارهم فتكون أعناقهم مطأطأة من شدة الخجل والمذلة.
فهم بعد انكسار كبريائهم سيكونون في حالة انهيار تام، حيث تكون رؤوسهم منحنية, فقد أصبحوا دون حول ولا قوة، وبلا مساعدة وبلا صديق. وهم لشدة خجلهم لا يرفعون رؤوسهم، بل يكتفون بالنظر من طرف أعينهم, وفي آية كريمة تتوضح لنا هذه الحالة:
وَتَرَاهم يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنْ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنفسهم وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ ( سورة الشورى 45 )


إن جهنم مكان تنبض بالكراهية الشديدة, فهي متعطشة لتعذيب البشر ولا تشبع أبدا من التهام الكافرين:
يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلْ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ( سورة ق 30 )
عندما تتلقف جهنم أحد الكفار من أهل جهنم فإنها تبقيه فيها إلى الأبد. والقرآن الكريم يصف لنا جهنم بقوله تعالى:
سَأُصْلِيهِ سَقَرَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَر لَا تُبْقِي وَلَا تَذَر لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ ( سورة المدثر 26 – 29 )






الحياة الأبدية خلف الأبواب المغلقة

سيجابه الكفار الذين سيدخلون جهنم بعد غلق الأبواب عليهم منظراً مخيفاً للغاية. فهم سيدركون أنهم بعد قليل سوف يتم رميهم في نار جهنم إلى الأبد. فغلق الأبواب من خلفهم سيجعلهم يدركون أنه ليس هناك مفر ولا خروج من هذا المكان المخيف. ويخبر الله تعالى عن وضع الكفار هذا فيقول:
وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ عَلَيْهِمْ نَارٌ مُوصَدَةٌ
( سورة البلد / 19 – 20 )
وحسب الآيات الكريمة
( عذاب كبير ) سورة آل عمران 176 ) و
( عذاب شديد ) ( سورة آل عمران 40 ) و
( عذاب أليم ) ( سورة آل عمران 77 )
وهكذا يبين القرآن الكريم العذاب المرعب والأليم الذي سيواجهه الكفار.


إن المقياس الذي يملكه الإنسان في الحياة الدنيا لا يستطيع فهم واستيعاب عذاب جهنم بشكل كامل.
فالإنسان الذي لا يتحمل التعرض إلى الماء الحار أو النار لثوان معدودات لا يستطيع تجسيم منظر عذاب النار في ذهنه والذي سيستمر إلى الأبد ولا حتى تخيله. لأن شدة الألم في نار جهنم لا يمكن مقارنتها بأي ألم ناتج من أي نار موجودة على الأرض, لأنه ليس هناك شبيه لعذاب الله تعالى:
فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَد وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ ( سورة الفجر 25 – 26 )


وكما يوضح القرآن الكريم فإن في جهنم حياة بمعنى الكلمة, ولكن هذه الحياة يملؤها العذاب في كل آن ومن كل جهة, والحياة في جهنم تحوي مختلف صنوف الإهانة والخزي والمهانة والذل. وكذلك فهناك عذاب جسدي وعذاب نفسي، ولا يمكن مطلقا قياس أي عذاب واقع في الأرض مع العذاب الحاصل في جهنم. فأهل النار سيحسون بعذاب جهنم بحواسهم الخمسة. فعيونهم ستشاهد أفظع وأقذر المناظر وآذانهم ستسمع أفظع الأصوات وأكثرها رهبة من دمدمات وضجيج وصياح وتآوهات وصراخ. وستملأ أنوفهم روائح قذرة وكريهة لا يمكن تحملها, وستذوق ألسنتهم أفظع المذاقاتً وأكثرها إيلاماً. وستحترق جلودهم وجميع أجزاء أجسامهم بحيث لا ينجو من هذا الحرق حتى خلية واحدة من خلايا جسده, وسيتلوون من شدة هذا العذاب. فهم لا يموتون ولا يفنون ليتخلصوا من هذا العذاب. وهذا العذاب سيستمر إلى ما لانهاية، لأن جلودهم ستتجدد, ولن يخفف العذاب عنهم ولن ينقطع عنهم أبداً. وكما جاء في القرآن الكريم:
أولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ
( سورة البقرة 175 )
وسيقال للكفار حسب التعبير القراني:
اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أو لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
( سورة الطور 16 )



وهناك عذاب نفسي شديد ومؤلم بجانب العذاب الجسدي, فهم يهانون ويحقرون، فيندمون, وكلما فكروا في وضعهم اليائس وعدم وجود أي بصيص من الأمل أمامهم ستبكي قلوبهم دماً, وكلما خطر ببالهم أن وضعهم سيستمر إلى الأبد تضاعفت آلامهم إلى درجة أنه لو يعلمون بأن هذا العذاب سينتهي بعد مليون سنة أو بليار سنة أو حتى بعد مليارات من السنين فسيشكل هذا لهم مصدر أمل كبير, ولكن علمهم بأن العذاب لن ينتهي بل سيستمر إلى أبد الآبدين سيولد عندهم شعوراً شديدا بالاحباط واليأس لا يمكن مقارنتهما بأي شعور بالاحباط واليأس في هذه الدنيا. وحسب التصوير القرآني لجهنم فهي مكان قذر، تفوح بمختلف صنوف الروائح الكريهة، ضيقة يعلوها الضوضاء، مظلمة،كريهة، كل زاوية وحجرة تغلي من شدة وهول الحرارة، تحتوي على أمقت المأكولات والمشروبات. وملابس من نار يلبسونها تظل عليهم إلى الأبد، إضافة إلى مختلف صنوف العذاب. كل هذا وأكثر من هذا يشير إلى نوع المكان الأبدي الذي سيكون مأوى الكافرين والضالين من أهل النار, ويمكن تصوير بيئة جهنم من خلال مايمكن رويته في بعض الأفلام التي تصور انفجار قنبلة نووية وما تخلفها من ظلمة، وقذارة إلى أبعد ما يمكن تصورها، وسط ممقوت, وسط ملؤه الذهول. وطبعا ومما لاشك فيه أن هناك حياة تتلاءم مع هذه البيئة. فأهل جهنم يكونون في وعيهم التام حيث يسمعون، ويتكلمون، ويتناقشون، ويحاولون الهرب، يحرقون في النار، يتضرعون ويطلبون تخفيف العذاب عنهم، يعطشون، يجوعون، يحسون بالندم القاتل. لهذا فإن أهل جهنم يعيشون في بيئة قذرة ممقوته كالحيوانات. فهم يجدون فقط شجرة الزقوم كمأكل لهم وأشواك الأشجار، أما شرابهم فمن دم وصديد ومن ماء مغلي لا غير. وفي هذه الأثناء فإن النار تحيط بهم من كل جانب. حيث تبدل جلودهم المحترقة بأخرى جديدة وهكذا. حيث يستمر هذا العذاب من دون تخفيف من حدتها وشدتها. وهم علاوة على تساقط جلودهم ولحومهم المحترقة، واندفاع وخروج أعضائهم الداخلية إلى الخارج، واحتراق كامل جسدهم, وعلى الرغم من كونهم في وسط يملؤه الدم والصديد فأنه يتم ضربهم وجلدهم بسلاسل من حديد. ويتم ربطهم من أعناقهم وربط أيديهم إلى أعناقهم حيث يتم جرهم ورميهم في أماكن ضيقة من جهنم. ويمددون من قبل زبانية جهنم على أسرة من نار. حيث يقومون بتغطيتهم بأغطية من نار. فلن تكون هناك آذان صاغية لصراخهم ولجميع توسلاتهم المستمرة. فهم يطلبون أن يخفف عنهم العذاب ولو ليوم واحد ولكن العذاب والإهانة سيكون الجواب الموجه إليهم, فاليوم الواحد لهم من أيام جهنم لا يشبه بأي شكل من الأشكال يوما من أيام الدنيا.
فكل مايجري في جهنم من حوادث هي حوادث حقيقية، فهي حقيقية بل وأكثر حقيقية من حياتنا هذه والتي نعيشها في هذه الدنيا. وهذا هو أيضا مصير الذين لايعبدون الله كماينبغي بل يؤدون عبادتهم بشكل ناقص:
وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فإن أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَ الآخرة ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ( الحج 11 )


كذلك فهذا هو مصير الذين يقترفون الآثام ويقولون بأن الله تعالى سيغفر لنا في نهاية الأمر, والذين يحسبون أنهم لن يبقوا في جهنم إلا أياما معدودات:
ذَلِكَ بأنهم قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أيام ا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ
( آل عمران 24 )



والذين يتخذون الهاً غير الله, ولا يهدفون في الحياة إلا الحصول على الثروة وعلى الصيت والشهرة, والذين يغيرون دين الله حسب أهوائهم ورغباتهم, والذين يشوهون تفسير القرآن حسب مصالحهم ومنافعهم الشخصية أو الذين يرتدون من بعد إيمانهم كفاراً. والخلاصة أن جميع الكفار والمشركين والمنافقين سيملؤون جهنم. فهذا الوعد القاطع لله تعالى قد أشار إليه القرآن الكريم بقوله تعالى:
وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ
( سورة السجدة 13 )


ومقابل هذا، فليس هناك أحد يستطيع أن يتألم لحال أهل جهنم وأن يخلصهم من عذاب النار وحتى أن يساعدهم. والله تعالى لن يكلمهم إلى الأبد. فهم سيقاسون آلام الاهمال والنبذ والنسيان.
فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ ( سورة الحاقة 35 )


وزبانية جهنم، وهم من الملائكة الموكلين بتطبيق أسوإ العذاب وأقساه على واردي جهنم لايملكون ذرة من الرحمة والشفقة سيذيقونهم سوء العذاب ومختلف صنوف الآلام والتعذيب و إلى ما لا نهاية. وهم على درجة عالية من الشدة وعدم الرحمة والقوة ويكونون مخيفين جدا. فهم مكلفون بأن يقتصوا من الكفار والمشركين الذين تجاسروا بكفرهم بالله رب العالمين حيث يقومون بأداء واجبهم على أتم وجه. فليس من الممكن أن يقدموا التماساً وأن يؤدوا بشكل ناقص واجب التعذيب أو أن يجعلوا الكافرين يهربون من أمام أعينهم، ولهذا فإن الإنسان يجابه خطرا حقيقياً. فالإنسان سيعاقب بهذا العقاب إذا قام بجحود وعصيان تجاه رب العالمين، وهذا يعني اقترافه أعظم الذنوب، لهذا فإن الله تعالى ينبه الإنسان كي لا يقع في مثل هذه الأخطار وأن لايقترف تلك الذنوب:

يَاأَيُّهَا الذِين آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَ يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ( سورة التحريم 6 )
كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعَ بِالنَّاصِيَةِ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ فَلْيَدْعُ نَادِيَه سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ
( سورة العلق 15 – 18 )





تضرعات يائسة لا طائل من ورائها



إن أهل جهنم يعيشون حالة من الإحباط الشديد، فالعذاب المسلط عليهم يكون أبديا من جهة وأيضاً يكون أليماً جداً من جهة اخرى, فالتوسل وإصدار أصوات تنم عن ألم كبير سيكون طريقهم وأملهم الوحيد. فهم يتوسلون لكل من يرونه، يرون أهل الجنة فيطلبون منهم قليلا من الماء والطعام. يتوسلون إلى الله تعالى ويأملون رحمة منه، ولكن كل هذا لا يجدي. وحراس جهنم وهم الزبانية يكونون ضمن الذين يتوسلون بهم، أي يصل الأمر بهم بأن يتوسلوا إلى زبانية جهنم الذين يقومون بإذاقتهم مختلف صنوف العذاب والذين لا يخطر ببالهم أن يقوموا بالتوسط لدى الله تعالى لكي يخفف عن هؤلاء العذاب حيث يكون العذاب شديدا لدرجة أنهم يتوسلون كي يخفف عنهم ولو ليوم واحد فقط. ولكنهم لا يأخذون أي رد.
وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنْ الْعَذَابِ قَالُوا أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍٍ ( سورة غافر 50 – 49 )


وهم بجانب هذا يعملون من أجل الحصول على رحمة من الله تعالى ولكن أيضاً تبوء جميع محاولاتهم بالفشل.
قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فإن عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِي إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِين فَأتخذتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُون إِنِّي جَزَيْتُهُمْ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أنهم هُمْ الْفَائِزُونَ ( سورة المؤمنون 111 – 106 )


ويفهم من هذه الآية الكريمة أن هذا هو الخطاب الأخير الذي يوجهه الله تعالى لأهل جهنم. لأن الله تعالى عندما قال لهم " اخسأوا ولاتكلمون " فلم يعد هناك أي مجال لأي حديث أو كلام بعد. وبعد هذا لن يخاطبهم الله تعالى إلى أبد الأبدين وهذا وضع مؤلم لا يمكن حتى تصوره وتخيله. وبينما يقاسي أهل جهنم العذاب ويصطرخون في النار يكون المؤمنون الفائزون والواصلون إلى السعادة في أحضان النعيم. وهناك عذاب معنوي آخر لأهل جهنم وهو الحوار الذي يجري بينهم وبين أهل الجنة. . فعندما يعاني أهل جهنم من أصناف العذاب المهول ييسر لهم الله إمكانية رؤية الجنة ومشاهدة أنواع النعم الموجودة فيها، حيث يرون المؤمنين الذين كانوا يستهزئون بهم في الدنيا في بحبوحة من العيش وفي قصور فخمة ومراتب عالية ومع نساء حسناوات وحور عين يخطف حسنهن الأبصار، يتناولون ألذ أنواع الأطعمة والمشروبات فيقارنون بين العذاب الذي يعيشون فيه والهوان والخزي الذي يلاقونه مع هذه النعم الكبيرة والسعادة اللامحدودة الموجودة هناك في الجنة, وهذا سيزيد من عذابهم أضعافا مضاعفة ويبلغ شعور الندامة عندهم درجة لا يمكن تحملها ويغرقون في بحر من الندامة الممضة الموجعة لأنهم – على العكس من المؤمنين – لم يؤمنوا بالله ولم يخضعوا لأحكام الله, وفي لجة هذه المشاعر يحاولون إجراء حوار مع أهل الجنة وطلب المعونة منهم فيتوسلون إليهم ولكن هيهات هيهات, وفي هذه الأثناء يرى أهل الجنة حال أهل النار فيزدادون سعادة ويزداد شكرهم لله تعالى, ويخبرنا القرآن الكريم عن هذا الحوار الذي سيجري بين أهل النار واهل الجنة:


فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنْ الْمُجْرِمِينَ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِين وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ( سورة المدثر 40 - 48 )



................................................................................
................


تذكير من أجل الخلاص من العذاب الأبدي



قمنا هنا بتلخيص حال الإنسان ( الذي لم يخلقه الله عبثا ولم يترك حبله على غاربه ) سواء المؤمن منهم بالله تعالى أو المنكر منهم، ولكن يجب أن لا يغرب عن البال بأن الغاية من شرحنا هذا يختلف تماما عن هدف تقديم قصة الجنة وجهنم بالشكل الذي اعتاد الناس على سماعه منذ ولادته. فليس من هدفنا إعطاء معلومات دينية فقط بل التذكير وللمرة الأخيرة بأن مايقاسونه من آلام وضيق في حياتهم الدنيا نتيجة إنكارهم وعدم إيمانهم سيستمر في الآخرة ولن يجدوا منه خلاصا.
ولاشك أن الإنسان حر في اختيار نمط عيشه في الحياة الدنيا، ولا يستطيع أي شخص أن يكره شخصا آخرا بأي شكل من أشكال الإكراه. ولكننا كمؤمنين بالله تعالى وبعدالته غير المحدودة نرى أن من واجبنا تنبيه الضالين والغافلين في حياتهم الدنيا عن الحقيقة لكي يخافوا وتخشع قلوبهم لأن الله تعالى يشرح مدى وخامة الوضع الذي يعيش فية هؤلاء فيقول تعالى:
أَفَمَنْ أسس بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أسس بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( التوبه 109 )
إن الذين يديرون ظهورهم لآيات الله وينكرون الله تعالى دون أي وعي أو شعور، لايوجد لهم أي خلاص في الآخرة ولا أي نجاة. إذن فالواجب على كل إنسان عندما يرى الحقائق التحول عن الطريق المنحرف الذي يسير فيه دون إضاعة أي وقت وتسليم نفسه لله تعالى فإن لم يفعل هذا فسيعيش الندم الكبير الذي تشرحه الآية الآتية:
رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمْ الأمل فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ
( سورة الحجر 2 – 3 )



أما طريق الخلاص من العذاب ومن الندم وكسب رضى الله تعالى وجنته فواضح وبين!
الإيمان بالله تعالى من صميم القلب ومن دون أي تأخير، وإفناء العمر في السعي للحصول على رضا الله تعالى.







................................................................................
......




ما كان من توفيق فمن الله وحده وما كان من خطأ أو سهو أو نسيان فمنى ومن الشيطان


والله ورسوله منه براء



والله أسأل النجاة والفوز بالفردوس الأعلى من الجنة أنا ورحمى وأهلى والمسلمين




والصلاة والسلام على المصطفى وكفى

  • 0

صورة



أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم و أتوب إليه




إضافة رد



  


0 عضو (أعضاء) يشاهدون هذا الموضوع

0 الأعضاء, 0 الزوار, 0 مجهولين

عدد الزيارات :