إنتقال للمحتوى


ابحث في موقع الدرر



موقع معرفة الله
موقع ابو بكر الصديق رضي الله عنه
موقع السيده عائشه رضي الله عنها

Twitter FaceBook تسويق التحديثات الجديدة

رسائل محب صور عديدة فى التحايل على الزكاة من أفضل التطبيقات الرائعة والمفيدة للهواتف الذكية (اندرويد) مثل محقرات الذنوب يا كل ملتزم ويا كل ملتزمة احذروا ذنوب الخلوات .. مقطع مؤثر جداااا برامج التصميم برابط واحد داعمة للعربية تمبلر نصرة رسول الله
أخر الأخبار
صورة

الأربعين نووية (الحديث 1-2-3-5-6) شرح


  • قم بتسجيل الدخول للرد
لا توجد ردود على هذا الموضوع

#1 أبو ياسر

أبو ياسر

    عضو فعال

  • الأعضاء
  • صورة مصغرةصورة مصغرةصورة مصغرة
  • 394 مشاركة
  • الجنس:ذكر

تاريخ المشاركة 07/04/2008 - 11:37 PM

(الحديث الأول)
الحمد و الثناء على الله عز و جل و نشهد ان سيدنا محمد عبده و نبيه و رسوله, اما بعد
هذا هو الحديث الأول من الاحاديث الاربعين النووية و قد عنون عليه بعض العلماء : إِنَّمَا الأعمال بالنيات.
قال الإمام النووي عن أميرِ المؤمنين أبي حَفْصٍ عمرَ بنِ الخطاب (رضي الله عنه) قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: « إِنَّمَا الأَعْمَالُ بالنِّيَّاتِ، وإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلى اللهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجرَتُهُ إلى الله وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ اِمْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إلى مَا هَاجَرَ إلَيْه ِ».[متفق عليه, اخرجه البخارى و مسلم].
الشـــرح :
عن أميرِ المؤمنين أبي حَفْصٍ عمرَ بنِ الخطاب (رضى الله عنه) أنه سمع النبي (صلى الله عليه وسلم) يقول: ( إِنَّمَا الأَعْمَالُ بالنِّيَّاتِ، وإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى )، وهذا الحديث حديث عظيم، حتى أنه قد قال طائفة من السلف ومن علماء الملة: "ينبغي أن يكون هذا الحديث في أول كل كتاب من كتب العلم". ولهذا بدأ به البخاري رحمه الله صحيحَه، فجعله أوّل حديث فيه حديث « إِنّما الأعْمَالُ بالنّيات, وإِنّمَا لكلِ امرئٍ مَا نَوَى »
وهذا الحديث أصل من أصول الدين، وقد قال الإمام أحمد: " ثلاثة أحاديث يدور عليها الإسلام:
 حديث عمر« إِنَّمَا الأَعْمَالُ بالنِّيَّاتِ »،
 و حديث عائشة « مَنْ أَحْـدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْـسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ »،
 وحديث النعمان بن بشير: « الْحَلاَلَ بَيِّنٌ، والْحَرَامَ بَيِّنٌ »".
و هذا الكلام من إمام أهل السنة متين للغاية؛ ولذلك: "أنّ عمل المكلف دائر على امتثال الأمر، واجتناب النهي. و امتثال الأمر، واجتناب النهي هذا هو الحلال والحرام، وهناك بين الحلال والحرام مشبَّهات، وهو القسم الثالث. وهذه الثلاث هي التي وردت في حديث النعمان بن بشير « الْحَلاَلَ بَيِّنٌ، والْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ » وفي رواية: « مشبّهات » والعمل لمن أراد أن يعمل، أو فِعل الأمر واجتناب النهي لا بد أن يكون بنية حتى يكون صالحًا. فرجع تصحيح ذلك العمل - وهو الإتيان بما فرض الله، أو الانتهاء عما حرّم الله- إلى وجود النية التي تجعل هذا العمل صالحًا مقبولًا، ثم إنّ ما فَرض الله جل وعلا من الواجبات، أو ما شرع من المستحبات، لا بد فيه من ميزان ظاهر حتى يصلح العمل، وهذا يحكمه حديث « مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدّ ٌ».
فإذًا هذا الحديث؛ حديث ( إِنَّمَا الأَعْمَالُ بالنِّيَّاتِ ) يُحتاج إليه في كل شيء، يحتاج إليه في امتثال الأوامر، وفي اجتناب النواهي، وفي ترك المشتبِهات، وبهذا يَعْظُم وَقْعُ هذا الحديث؛ لأن المرء المكلَّف في أي حالة يكون عليها ما بين أمر يأتيه؛ إما أمر إيجاب أو استحباب، وما بين نهي ينتهي عنه؛ نهي تحريم أو نهي كراهة، أو يكون الأمر مشتبهًا فيتركه، وكل ذلك لا يكون صالحًا إلا بإرادة وجه الله جل وعلا به وهي النية.
قوله عليه الصلاة والسلام ( إِنَّمَا الأَعْمَالُ بالنِّيَّاتِ ) روي أيضًا في الصحيح « إِنَّمَا العَمَلُ بالنِّيَّة »، ورُوي « إِنَّمَا الأَعْمَالُ بالنِّيَّة » بألفاظ مختلفة والمعنى واحد، فإنه إذا أُفرد العمل أريدَ به جنس الأعمال و ليس عمل بعينه، كذلك المراد بكلمة النية فالمقصود بها جنس النيات. فتتفق رواية الإفراد مع رواية الجمع.
وقوله عليه الصلاة والسلام ( إِنَّمَا الأَعْمَالُ بالنِّيَّاتِ، وإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى ) هذا فيه حصر؛ لأنّ لفظ ( إِنَّمَا ) من ألفاظ الحصر عند علماء المعاني و البلاغة، والحصر يقتضي أن تكون الأعمال محصورة في النيات، كما قال الله تعالى
(وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون) [الذاريات:56] ( انما الله الهكم) [طه:98] فهذه الجملة حصرت الالوهية كلها فى لفظ الجلالة الله, فالله وحده له حق الألوهية كذلك عندما يقول ( إِنَّمَا الأَعْمَالُ بالنِّيَّاتِ ) معناه ان الاعمال لا تصح ولا تكون إلا بنية ، لا تكون مقبولة إلا بنية، ولايرفع الانسان بها إلا بنية, فقوله صلى الله عليه وسلم : ( إِنَّمَا الأَعْمَالُ بالنِّيَّاتِ وإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى) معناه إنما يثاب المرء على العمل الذي عمله بما نواه. فتكون الجملة الأولى متعلقة بصحة العمل، والجملة الثانية يراد بها الثواب على العمل.
وقوله صلى الله عليه وسلم : ( وإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى ) اللام فى كلمة "لكل" هذه لام الملكية، يعني مثل التي جاءت في قوله تعالى( وان ليس للانسان الا ما سعى) [النجم:39]، و معناه انه لا يملك و لا يؤجر الانسان إلا بما سعى. ( وإِنّمَا لِكل امرئٍ مَا نَوَى ) يعني وإنما يثاب المرء على العمل الذي عمله بما نواه و هذا هو القول الأول من اقوال العلماء.
والقول الثاني: أن قوله عليه الصلاة والسلام ( إِنَّمَا الأَعْمَالُ بالنِّيَّاتِ ) هذا راجع إلى أن الباء سببية, والمقصود بها سبب العمل لا سبب قَبوله، قالوا: لأننا لا نحتاج مع هذا إلى تقدير، فقوله: ( إِنَّمَا الأَعْمَالُ بالنِّيَّاتِ ) يعني: إنما الأعمال بسبب النيات، فما من عمل يعمله أحد إلا وله إرادة وقصد فيه وهي النية. فمنشأ الأعمال -سواء كانت صالحة أو فاسدة، طاعة أو غير طاعة- إنما منشؤها إرادة القلب لهذا العمل، وإذا أراد القلب عملًا، وكانت القدرة على إنفاذه تامّة، فإن العمل يقع، فيكون قوله عليه الصلاة والسلام على هذا:
( إِنَّمَا الأَعْمَالُ بالنِّيَّاتِ ) يعني إنما الأعمال صُدورها وحصولها بسبب نية مَن أصدرها؛ بسبب إرادة قلبه وقصده لهذا العمل.
( و إِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى ) هذا فيه أن ما يحصل للمرء من عمله ما نواه نية صحيحة، يعني إذا كانت النية صالحة صار ذلك العمل صالحًا، فصار له ذلك العمل.
والقول الأول أصح؛ وذلك لأنّ تقرير مبعث الأعمال، وأنها راجعة لعمل القلب، هذا ليس هو المراد بالحديث، كما هو ظاهر من سياقه، وإنما المراد اشتراط النية للعمل، وأن النية هي المصحِحة للعمل، وهذا فيه وضوح؛ لأن قوله عليه الصلاة والسلام ( إِنَّمَا الأَعْمَالُ بالنِّيَّاتِ، وإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى ) بيان لما تطلبه الشريعة، لا لما هو موجود في الواقع.
فلهذا نقول: الراجح من التفسيرين أن قوله عليه الصلاة والسلام ( إِنَّمَا الأَعْمَالُ بالنِّيَّاتِ ) يعني إنما الأعمال صحّة وقَبولًا أو فسادًا بسبب النيات، وإنما لامرئ من عمله ثوابًا وأجرًا ما نواه.
إذا تقرر هذا، فما هي الأعمال ؟
الأعمال جمع عمل والمقصود به هنا ما يصدر عن المكلف، ويدخل فيه الأقوال، فليس المقصود بالعمل ضد القول, أو أن العمل قسيم القول والاعتقاد، وإنما الأعمال هنا كل ما يصدر عن المكلف من أقوال وأعمال، قول القلب، وعمل القلب، وقول اللسان، وعمل الجوارح. فيدخل في قوله ( إِنَّمَا الأَعْمَالُ بالنِّيَّاتِ ) كل ما يتعلق بالإيمان؛ لأن الإيمان قول وعمل؛ قول اللسان، وقول القلب وعمل القلب وعمل الجوارح، فقوله ( إِنَّمَا الأَعْمَالُ بالنِّيَّاتِ ) يدخل فيها جميع أنواع ما يصدر من المكلف.
و إذا قلنا: النية قصد القلب وإرادته علقناها بالقلب، فالنية إذًا ليس محلها اللسان ولا الجوارح، وإنما محلها القلب، فالقلب نَوَى يعني: قصد بقلبه وأراد بقلبه هذا الشيء. فالأعمال مشروطة بإرادة القلب و قصده، فأي إرادة وقصد هذه؟ المقصود بها إرادة وجه الله جل و علا ؛ ولهذا في القرآن يأتي معنى النية بلفظ الإرادة والابتغاء وأشباه ذلك.
كما في قوله( يريدون وجه الله) [الروم:38] وكما في قوله (يريدون وجهه) [الأنعام:52] ، (واصبر نفسك مع الذين يدعون رببهم بالغدوة والعشي يريدون وجهه) [الكهف:28] ونحو ذلك [الشورى:20]
يريد يعني: ينوي يطلب ويقصد، هذه هي النية (ومن اراد الاخرة...) [الإسراء:19] هذه النية.
أو جاءت النية بلفظ الابتغاء كقوله جل وعلا (الا ابتغاء وجه ربه)[الليل:20] وكما في قوله جل وعلا (لا خير في كثير...)[النساء:114].

فإذًا في النصوص يكثر ورود النية بلفظ:
 أولًا: الإرادة؛ إرادة القلب.
 ثانيًا: بلفظ الابتغاء.
والنية قسمان:
 نية متعلقة بالعبادة
 نية متوجهة للمعبود
فأما النية المتعلقة بالعبادة: فهي التي يستعملها الفقهاء في الأحكام حين يأتون إلى الشروط, مثلا شروط الوضوء او الصلاة, فيقولون ان الشرط الاول النية يقصدون بذلك النية المتوجهة للعبادة، وهي تمييز العبادات بعضها عن بعض؛ مثلا تمييز الصلاة عن الصيام، تمييز الصلاة المفروضة عن النفل، يعني أن يميز القلب فيما يأتي ما بين عبادة وعبادة، أتى المسجد وأراد أن يركع ركعتين، ميّز قلبه هاتين الركعتين؛ هل هي ركعتا تحية المسجد، أو هل هي ركعتا راتبة؟ أو هل هي ركعتا استخارة؟ إلى آخره. فتمييز القلب ما بين عبادة وعبادة هذه هي النية التي يتكلم عنها الفقهاء في الكتب الفقهية، وهي النية المتوجهة للعبادة.
القسم الثاني: النية المتوجهة للمعبود: وهذه هي التي يُتحدث عنها باسم الإخلاص؛ إخلاص القلب ، إخلاص النية، إخلاص العمل وهي التي تستعمل كثيرًا بلفظ النية والإخلاص والقصد.
فإذًا هذا الحديث شمل نوعي النية: النية التي توجهت للمعبود، والنية التي توجهت للعبادة.
فـ ( إِنَّمَا الأَعْمَالُ بالنِّيَّات ِ ) يعني: إنما العبادات تقع صحيحة، أو مقبولة بسبب النية، يعني:
1. النية التي تميّز العبادة بعضها عن بعض أولا.
2. والنية التي هي إخلاص العبادة للمعبود وهو الله جل جلاله.
فلهذا لا يصلح أن نقول: النية هنا هي النية التي بمعنى الإخلاص، ونقول: إن كلام الفقهاء في النيات لم يدخل فيه الإخلاص، ولا القسم الثاني، فإن تحقيق المقام انقسام النية إلى هذين النوعين .
قال عليه الصلاة والسلام ( وإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى ) هذا حصر أيضًا، وإنما لكل امرئ من عمله ثوابًا وأجرًا لما نواه بعمله، فإن كان نوى بعمله الله والدار الآخرة - يعني أخلص لله جل وعلا مريدا وجه الله جل وعلا - فعمله صالح، وإن كان عمله للدنيا فعمله فاسد؛ لأنه للدنيا. و هذا كما جاء في آيات كثيرة عن إخلاص الدين لله جل علا (وما امروا الا ليعبدوا الله مخلصين له الدين)[البينة:5] يعني: الدين يقع على نية الإخلاص، كما في قوله جل وعلا (الا لله الدين الخالص )[الزمر:3]. وقد جاء في أحاديث كثيرة بيان إخلاص العمل لله جل وعلا كقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه مسلم في الصحيح: « أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه » وفي لفظ آخر قال عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث القدسي: « فهو للذي أشرك، وأنا منه بريء ».
وهذا يدل على أنّ العمل لا بد أن يكون خالصًا لله جل وعلا حتى يكون مقبولًا، ويؤجر عليه العبد. إذا وصلنا إلى هذا فمعناه أن من عمل عمَلًا، ودخل في ذلك العمل نية غير الله جل وعلا بذلك العمل، فإن العمل باطل لقوله: « من عمل عملًا أشرك فيه معيَ غيري تركته وشركه»
وهذا يحتمل أن يكون المراد بذلك العملِ العملَ الذي يكون في أصل العبادة، أو في أثناء العبادة، أو غيَّر نيته بعد العبادة، وهذه ثلاثة اقسام لتغيير النية,
 فالقسم الاول قد بدأ عمله مغيرا نيته فبدل ان تكون لله كان لغير الله.
 القسم الثانى ان يحدث تغيير للنية فى اثناء العمل.
فأما القسم الاول فهذا العمل باطل بلا شك لأنه توجه بداية لغير الله. اما اذا أن يحدث تغيير النية في أثناء العبادة، وهذا له حالان:
o الحالة الأولى: أن يُبطل نيته الأصلية، ويجعل العبادة لهذا المخلوق، فهذا حكمه كالأول من أن العبادة لا تصح.
o الحالة الثانية: من هذا القسم: أن يزيد في الصلاة مثلا لأجل رؤية الناس، يعني: يراه أحد طلبة العلم، أو يراه والده، أو يراه كبير القوم، أو يراه إمام المسجد، فبدل أن يسبح ثلاث تسبيحات أطال في الركوع -والركوع عبادة لله جل وعلا- فأطال على خلاف عادته لأجل رؤية هذا الرائي. فهذا العمل الزائد الذي نوى به المخلوق يبطل العمل والنية التى طرأت على هذا العمل تبطل بعض العمل؛ لأن نيته فيه لغير الله، ولكن أصل العمل صالح؛ لأن هذه النية ما عرضت لأصل العمل، وإنما عرضت لزيادة في اثنائه؛ أطال الصلاة، أو إمام أطال القراءة؛ لأنه حسَّن صوته لرؤية إلى الخلق، أو لأن وراءه فلان، أو نحو ذلك من الأعمال، فلا يبطل أصل العمل، وإنما ما زاد فيه لأجل الخلق يكون فيه مشركًا الشرك الأصغر، وهو الرياء والعياذ بالله، هذه الحالة الثانية من القسم الثاني.
o الحالة الثالثة: أن يعرض له حب الثناء، وحب الذكر بعد تمام العبادة، عمِل العبادة لله، صلى لله، حفظ القرآن لله، وصام لله، صام النوافل لله جل وعلا مخلصًا، وبعد ذلك رأى من يُثني عليه، فسرّه ذلك، و فرح به ورغب في المزيد في داخله، فهذا لا يَخْرِمُ أصل العمل؛ لأنه نواه لله، ولم يكن في أثنائه فيكون شركا، إنما وقع بعد تمامه، فهذا كما جاء في الحديث « تلك عاجل بشرى المؤمن أن يسمع ثناء الناس عليه لعبادته » وهو لم يقصد في العمل الذي عمله أن يثني عليه الناس. هذه أيضا له ثلاثة أحوال.
 الحالة الأولى: أعمال يجب ألا يريد بها، وألا يعرض لقلبه فيها ثواب الدنيا أصلا، وهذه أكثر العبادات، وأكثر الأعمال الشرعية.
 الحالة الثانية: عبادات حض عليها الشارع بذكر ثوابها في الدنيا، مثل صلة الرحم حضّ عليها الشارع بذكر ثواب الدنيا، فقال عليه الصلاة والسلام « من سره أن يُبْسط له في رزقه، وينسأ له في أثره، فليصل رحمه » فحضّ على صلة الرحم بذكر ثواب الدنيا: النسأ في الأثر، والبسط في الرزق، أو كقوله في الجهاد « من قتل قتيلا فله سَلَبُه » يعني ما عليه من السلاح، وما معه من المال أو كذا، يسلبه ويكون لهذا القاتل، فهذا حض على القتل بذكر ثواب دنيوي، فمن أراد الثواب الدنيوي هنا -في هذا القسم- مستحضرا ما حضَّ الشارع من العمل -يعني من هذه العبادة- وذكر فيه الثواب الدنيوي فإنه جائز له ذلك؛ لأن الشارع ما حضَّ بذكر الدنيا إلا إذْنٌ منه بأن يكون ذلك مطلوبا.
فإذًا من وصل الرحم يريد وجه الله جل وعلا ولكن يريد أيضا أن يُثاب في الدنيا بكثرة الأرزاق، فهذا له ذلك، ولأجل أن الشارع حض على ذلك.

كذلك من جاهد في سبيل الله يريد أيضا مغنما، ونيته خالصة لله جل وعلا لتكون كلمة الله هي العليا؛ ولكن يريد شيئا حض عليه أو ذكره الشرع في ذلك، فهذا قصده ليس من الشرك في النية؛ لأن الشارع هو الذي ذكر الثواب الدنيوي في ذلك.
فإذًا تنقسم الأعمال إلى عبادات ذكر الشارع الثواب الدنيوي عليها، وإلى عبادات لم يذكر الشارع الثواب لدنيوي عليها، وهذا كما جاء في قول الله جل وعل [هود:15] الآية.
فهذه المسألة مهمة. فإذا تقرر أنه لا يكون مشركًا بذلك، فهل من نوى الدنيا بصلة الرحم مثلا مع نيته لله مساوٍ لمن لم يَنْوِ الدنيا إنما جعلها خالصة لله؟ لا، يختلف الأجر، لكن لا يكون مرائيًا، ولا مشركًا بذلك، فمن كانت نيته خالصة لله جل وعلا فأجره أعظم، لهذا لما سئل عدد من الأئمة من السلف والإمام أحمد وجماعة عَن مَن جاهد للمغنم ونيته خالصة لله. قال: أجره على قدر نيته، لم يبطل عمله أصلًا، لم يبطل السلف العمل أصلًا، وإنما جعلوا التفاوت بقدر النيات. فكلما عظمت النية لله في الأعمال التي فيها ذِكر الدنيا، وذَكر الشارع عليه ثواب الدنيا، فإنه كلما عظمت النية الخالصة كلما عظم أجره، وكلما نوى الدنيا مع صحة أصل نيته قل أجره .

قال عليه الصلاة والسلام ( فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ ) الفاء هذه تفصيلية؛ تفصيل لمثال من الأعمال التي تكون لله وتكون لغير الله، ذكر مثالاً ( الهجرة ) قال ( فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلى اللهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجرَتُهُ إلى الله وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ اِمْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إلى مَا هَاجَرَ إلَيْه ِ). الهجرة معناها: التّرك، هَجَرَ يعني تَرَكَ، وأصل الهجرة هجرة إلى الله جل وعلا وإلى رسوله  ؛ هجرة إلى الله جل وعلا بالإخلاص وابتغاء ما عنده، والهجرة إلى النبي  باتباعه عليه الصلاة والسلام والرغبة فيما جاء به عليه الصلاة والسلام.
ومن آثار ذلك، الهجرة الخاصة التي هي ترك بلد الشرك إلى بلد الإسلام، فقال عليه الصلاة والسلام ( فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ ) يعني من كان ترْكه لبلد الشرك إلى بلد الإسلام من اجل دنيا، فأنه لا تقبل هجرته لأن الهجرة من الأعمال التى يقع فيها فساد النية. و قوله ( إِلى اللهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجرَتُهُ إلى الله وَرَسُولِهِ )، هذا فيه تكرير للجملة ( فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلى اللهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجرَتُهُ إلى الله وَرَسُولِه)، والمتقرر في علوم العربية أن الجمل إذا تكررت في تَرَتُّب الفعل والجزاء فإن شرط الفعل يختلف عن شرط الجزاء؛ فلهذا نقول: فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلى اللهِ وَرَسُولِهِ نية وقصدا، فَهِجرَتُهُ إلى الله وَرَسُولِه ثوابًا وأجرًا، فما تعلق بالفعل النية والقصد، وما تعلق بالجواب الأجر والثواب، وهذا فيه نوع من أنواع البلاغة، وهو أنّ عمله جليل عظيم بحيث يُستغنى لبيان جلالته وعظمته عن ذكره؛ لأنه من الوضوح والبيان بحيث لا يحتاج إلى ذكره، فقال عليه الصلاة والسلام ( فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلى اللهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجرَتُهُ إلى الله وَرَسُولِهِ ) هذا تعظيم، ورفع لهذا العمل، وهو أن تكون الهجرة إلى الله ورسوله، يعني نية وقصدًا وتعظيما للثواب والأجر بقوله
( فَهِجرَتُهُ إلى الله وَرَسُولِهِ ) ثوابًا وأجرًا، يعني حدِّث عن ثوابه وعظِّم ذلك.
ثم بين الصنف الثاني فقال: ( وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ اِمْرَأَةٍ يتزوجه )، ( لِدُنْيَا يُصِيبُهَا ) هذا حال التاجر الذي هاجر لكي يكسب مالًا، أو هاجر ليكسب زوجة أو امرأة، فهذا ( هِجْرَتُهُ إلى مَا هَاجَرَ إلَيْهِ ). وقوله عليه الصلاة والسلام ( وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا ) هذه النية يعني هاجر العمل الظاهر يشارك فيه من هاجر إلى الله ورسوله لكن نيته أنّه في هِجرته يريد التجارة، أو يريد أن يتزوج امرأة فنيته فاسدة، قال ( فَهِجْرَتُهُ إلى مَا هَاجَرَ إلَيْهِ ) يعني من حيث أنّه لا ثواب له فيها ولا أجر، وقد يكون عليه فيها وزر.
و الهجرة: ترك بلد الشرك إلى بلد الإسلام، أو ترْك بلد تظهر فيه البدعة إلى بلد لا تظهر فيه البدعة وإنما تظهر فيه السّنة, أو -القسم الثالث- ترك بلد تظهر فيه الفواحش والمنكرات إلى بلد تقل فيه الفواحش والمنكرات ظهورا. وهذه كل واحدة منها لها أحكام مذكورة في كتب الفقه بالتفصيل.



(الحديث الثانى)
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، إنه من يهدي الله فلا مضلّ له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله (ان الله وملائكته يصلون على النبي) ]الأحزاب:56[
اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد .
ثم أما بعد ،
فهذا هو الدرس الرابع من دروس الحديث وهذا هو الحديث الثاني من شرح الأربعين النووية وهذا الحديث عنون عليه بعض العلماء، مجيء جبريل ليعلم المسلمين دينهم.
• وعن عمر أيضا قال: بينما نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللّهِ (صلى الله عليه وسلم) ذَاتَ يَوْمٍ, إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثّيَابِ, شَدِيدُ سَوَادِ الشّعَرِ, لاَ يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السّفَرِ, وَلاَ يَعْرِفُهُ مِنّا أَحَدٌ, حَتّى جَلَسَ إِلَى النّبِيّ. فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ, وَوَضَعَ كَفّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، وقال: « يا مُحَمَّدُ؛ اَخْبِرْنِي عَنِ الإسلام » فقال رسولُ الله (صلى الله عليه وسلم) « الإِسْلاَمُ أنْ تَشْهَدَ أَن لا إلَهَ إلاَّ الله، وَأَنَّ مُحَمَدََا رَسُولُ الله، وَتُقِيمَ الصَلاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اِسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيل »، قال « صَدَقْتَ ». فعجبنا له: يسأله ويُصَدِّقُه! قال « فأخبرني عن الإيمان؟ »، قال« أنْ تُؤْمِنَ بِالله وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُِلهِ وَاليَوْمِ الآخِر، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرَّهِ »، قال: « صدقت ». قال « فأخبرني عن الإحسان؟ »، قال « أَنْ تَعْبُدَ الله كَأَنَّك تَرَاهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهْ فَإِِنَّهُ يَرَاكْ ». قال « فََأَخْبِرِْني عَنْ السَّاعة؟ » قال « مَا المَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ ». قال « فََأَخْبِرِْني عَنْ أَمَارَاتِهَا؟ » قال « أَنْ تَلِِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاَةََ الْعُرَاةَ الْعَالَةََ رِعاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ ». ثُمّ انْطَلَق. فَلَبِثتُ مَلََََََََِيا، ثمّ قال« يَا عُمَرُ, أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟ » قلت: الله ورسوله أعلَم. قال « هَذَا جِبْرِيلُ, أَتَاكُمُ يُعَلِمُكُمْ ِدينَكُمْ » [رواه مسلم].
أولا : المعنى الإجمالي لهذا الحديث :
• هذا الحديث حديث عظيم، سماه بعض أهل العلم أم السّنة، يعني كما في القرآن أم القرآن، فهذا الحديث أم السنة؛ لأن جميع السنة تعود إلى هذا الحديث؛ فإن الحديث فيه بيان العقيدة، والعقيدة مبنية على أركان الإيمان الستة، وفيه بيان الشريعة، وذلك بذكر أركان الإسلام الخمسة، وفيه ذكر الغيبيات والأمارات؛ بل قبل ذلك فيه ذكر آداب السلوك، والعبادة، وصلاح توجّيُه القلب، والوجه إلى الله جل وعلا بذكر الإحسان، وفيه ذكر الساعة وأماراتها، وهذا نوع من ذكر الأمور الغيبية ودلالات ذلك. فهذا الحديث يعود إليه جلّ السّنة، كما أن قول الله جل وعلا في آية النحل (ان الله يامركم بالعدل والاحسان...)[النحل:90]. قال طائفة من مفسري السلف: دخل في هذه الآية جميع أحكام الدين. جميع الدين في هذه الآية، وجميع أصول الأحاديث النبوية في هذا الحديث.
وهذا الحديث هو معروف بحديث جبريل، وروايته على هذا الطول عن عمر ، ورُوي أيضًا مقطعًا ببعض الاختصار في الصحيحين من حديث أبي هريرة.
ثانيا: شرح الحديث :
1. وهذا الحديث فيه ذكر الإسلام والإيمان والإحسان، وفيه أن هذه الثلاثة هي الدين؛ لأنّه في آخرها قال عليه الصلاة والسلام ( أَتَاكُمُ يُعَلِمُكُمْ ِدينَكُم ْ ).
فإذن الدين الذي هو الإسلام منقسم إلى ثلاث مراتب: الإسلام، والإيمان، والإحسان. وهذا نخلص منه إلى قاعدة مهمة وهي: أن الاسم العام قد يندرج فيه أنواع منها الاسم العام؛ لأن الإسلام هو الدين فجمع هذه الثلاثة: الإسلام والإيمان والإحسان؛ فالإسلام منه الإسلام، وهذا مهم في فهم الشريعة بعامة؛ لأن من الألفاظ ما يكون القسم هو اللفظ ذاته، يعني أحد الأقسام هو اللفظ ذاته، وله نظائر، إذا وجد هذا فالاسم العام غير الاسم الخاص، ولهذا نقول الاسم العام للإسلام يشمل الإسلام والإيمان والإحسان، وليس هو الاسم الخاص إذا جاء مع الإيمان ومع الإحسان؛ لهذا لم يلحظ هذا الأمر طائفة من أهل العلم، فجعلوا الإسلام والإيمان واحدا، ولم يفرقوا بين الإسلام والإيمان حتى عزا بعضهم هذا القول لجمهور السلف، وهذا ليس بصحيح، فإن السلف فرقوا ما بين الإسلام والإيمان إذا كان الإسلام والإيمان في مورد واحد، وأما إذا كان الإسلام في مورد والإيمان في مورد؛ يعني هذا في سياق وهذا في سياق، هذا في حديث وهذا في حديث، فالإسلام يشمل الدين جميعًا، والإيمان يشمل الدين جميعًا، فإذًا هذا الحديث فيه بيان الإسلام بمراتبه الثلاث.
2. )إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثّيَابِ, شَدِيدُ سَوَادِ الشّعَر.(
في هذا مدح لهذه الصفة وإحداهما مكتسبة والأخرى جِبلية، أما شدة سواد الشعر فهذه جبلية لا تكتسب، ولا يجوز أن يصبغ بالسواد لمن ليس بذي سواد، وأما شدة بياض الثياب فسياق هذا الحديث يقتضي مدح من كان على هذه الصفة، ولهذا كان النبي (صلى الله عليه وسلم) يحب الثياب البيض، وكان يلبسها، وأمر بتكفين الموتى فيها عليه الصلاة والسلام.

3. )لاَ يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السّفَرِ, وَلاَ يَعْرِفُهُ مِنّا أَحَدٌ,(.
و يقول (وَلاَ يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السّفَرِ) يعني أنه لا يعرفونه في المدينة، وأتى بهذه الصفة الجميلة شدة سواد الشعر، (ليس عليه) يعني فيه أثر غبار أو تراب، وعادة المسافر أن يكون كذلك، وأيضا ( شَدِيدُ بَيَاضِ الثّيَابِ ) كأنّه خرج من بيته في نظافة أهله الساعة، فكيف يكون ذلك؟ فإذًا في قوله ( لاَ يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السّفَرِ ) إشعار بأنه مستغرب أن يكون على هذه الصفة؛ لهذا قال بعدها ( وَلاَ يَعْرِفُهُ مِنّا أَحَدٌ )، وقد جاء في بعض الروايات أن جبريل عليه السلام كان ربما أتاهم على صورة دحية الكلبي -أحد الصحابة-، فيسأل النبي فيجيب، وهذا غير مراد هنا؛ لأنه لا يتوافق مع قوله ( وَلاَ يَعْرِفُهُ مِنّا أَحَدٌ ) خلافًا لمن قال غير ذلك.
وهذا فيه التعليم، فإنّ جبريل عليه السلام أتى متعلمًا ومعلمًا؛ متعلمًا من جهة الهيئة والسؤال والأدب، ومعلمًا حيث سأل لأجل أن يستفيد الصحابة رضوان الله عليهم وتستفيد الأمة من بعدهم.
4. ( فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ, وَوَضَعَ كَفّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ ):
( أَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ ) الضمير الأول يرجع إلى جبريل، والثاني إلى النبي ، وهذا فيه القرب من العالم، القرب من المسؤول حتى يكون أبلغ في أداء السؤال بدون رُعونة صوت ولا إيذاء، وأفهم للجواب.
( وَوَضَعَ كَفّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ ) هذه قيل فيها تفسيران :
أ. ( وَوَضَعَ كَفّيْهِ ) يعني جبريل، ( عَلَى فَخِذَيْه ِ ) يعني على فخذي النبي ، قالوا ذلك لأجل أن تكون الضمائر راجعة على نحو ما رجعت عليه الجملة الأولى.
ب. وقال آخرون: لا، ( ووَضَعَ كَفّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ ) هذه على فخذي جبريل أيضًا، يعني وضع كفي نفسه على فخذي نفسه، وهذا أدب منه أمام مقام النبي(صلى الله عليه وسلم) .
في هذا أنّ طالب العلم ينبغي له أن يكون مهيِّئا نفسَه، ومهيِّئا المسؤول للإجابة على سؤاله في حسن الجِلسة، وفي حسن وضع الجوارح، وفي القرب منه، وهذا نوع من الأدب مُهم، فإنّ سؤال طالب العلم للعالم، أو سؤال المتعلم لطالب العلم له أثر في قَبول العالم للسؤال، وفي انفتاحه للجواب. قد ذُكر في آداب طلب العلم، وفي الكلام عليه أنّ بعض العلماء من علماء السّلف كانوا ينشطون لبعض تلاميذهم فيعطونهم، وبعضهم لا ينشطون له فيعطونه بعض الكلام الذي يكون عامًّا، أو لا يكون مكتملاً من كل جهاته، وذلك راجع إلى حسن أدب طالب العلم أو المتعلم، فإنّه كلما كان المتعلم أكثر أدبًا في جلسته، وأكثر أدبًا في لفظه، وفي سؤاله كلما كان أوقع في نفس المسؤول؛ فيحرص ويتهيأ نفسيًّا لجوابه؛ لأنه مَن احْتَرَم احْتُرِم، ومن أَقبل أُقبل عليه، فهذا فيه أن نتأدب جميعًا بهذا الأدب؛ فمثلاً يلاحظ على بعض طلاب العلم، أو بعض المتعلمين أنه إذا أتى يسأل العالم يسأله بِنِدِّية لا يسأله على أنّه يستفيد، فيجلس جلسة العالم نفسه، أو يجلس جلسة المستغني، ويداه في وضع ليس في وضع أدب؛ واحدة هنا والأخرى هناك، وجسمه أيضًا يعني في استرخاء تام ليس فيه الاستجماع، ونحو ذلك مما يدل على أنه غير متأدب مع العالم، أو طالب العلم الذي سيستفيد منه. وهذه الآداب لها أثر على نفسية العالم أو المجيب، فإنك تريد أن تأخذ منه العلم، وكلما كنت أذلّ على الوجه الشرعي في أخذ العلم، كلما كان العالم أكثر إقبالًا عليك؛ ولهذا تجد أنَّ مِنْ؛ بل أكثر أهل العلم لهم خواص، هذا من خاصته، و هذا لان المتعلم يتعلم معه بادب اهل العلم. فهذه نأخذها من حديث جبريل عليه السلام هذا، ونأخذها أيضًا، من قصة الخضر مع موسى في سورة الكهف، وهي حَرِيَّة بالتأمل في آداب طلب العلم.
5.( يا مُحَمَّدُ؛ اَخْبِرْنِي عَنِ الإسلام ):
( اَخْبِرْنِي عَنِ الإسلام ) هذا سؤال عن نوع من أنواع الدين ألا وهو الإسلام المتعلق بالأعمال الظاهرة، فسأل عن الإسلام، ثم سأل عن الإيمان، ثم سأل عن الإحسان، إلى آخره. فقال ( يا مُحَمَّدُ؛ اَخْبِرْنِي عَنِ الإسلام )، وفي قوله ( اَخْبِرْنِي ) فيه دلالة على أن النبي مُخبِر، يعني أنه ينقل أيضًا الخبَرَ عن الإسلام، وهذا موافق لما هو متواتر في الشريعة أن النبي إنما هو مُبَلِّغ للدين عن الله جل وعلا، قال( اَخْبِرْنِي ) يعني اجعل كلامك لي خَبَرَا، فأخبرني بذلك، والنبي أيضًا مخبر عن ربه جل وعلا في ذلك، كما جاء في بعض الأحاديث القدْسية قد قال عليه الصلاة والسلام فيما يُخْبِر به عن ربه جل وعلا.
6. ( الإِسْلاَمُ أن تَشْهَدَ أَن لا إلَهَ إلاَّ الله، وَأَنَّ مُحَمَدََا رَسُولُ الله ) إلى آخره :
هذا التفسير للإسلام تفسير للأركان الخمسة المعروفة التي سيأتي إن شاء الله بعض بيانها في حديث ابن عمر الثالث. فقال ( الإِسْلاَمُ أن تَشْهَدَ أَن لا إلَهَ إلاَّ الله، وَأَنَّ مُحَمَدََا رَسُولُ الله ) وهذا ركن واحد، ( وَتُقِيمَ الصَلاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اِسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلا. فقال « صَدَقْتَ ». ) الإسلام هنا فسره النبي بالأعمال الظاهرة، ولم يجعل فيه الأعمال الباطنة أو بعض الأعمال الباطنة، ومعنى هذا أن الإسلام استسلام ظاهر، وهذا الاستسلام الظاهر يُخْبَرُ عنه بالشهادتين وبإقامة الأركان العملية الأربعة، والشهادة في نفسها لفظ فيه الاعتقاد، والتحدّث، والإخبار الذي هو الإعلام، وعلى هذا فسر السلف كلمة شَهِدَ، فقوله جل وعلا( شهد الله أنه لا اله الا هو...)[آل عمران:18]
(شهد الله) معناه هل الله يشهد؟ بمعنى أي شيء؟ يشهد بمعنى يعلم ويخبر. فإذًا شهادة المسلم بأن لا إله إلا الله لا تستقيم مع كتمانه هذه الشهادة، فمن شهد ذلك بقلبه ولم يظهر هذه الشهادة دون عذر شرعي فإنه لا شهادة له؛ بل لا بد في الشهادة من حيث اللفظ الذي دلت عليه اللغة، وأيضًا من حيث الدليل الشرعي لا بد فيها من الإظهار، وهو الموافق لمعنى الإسلام الذي هو الأعمال الظاهرة.
فإذًا دخول الشهادتين في الإسلام الذي هو الأعمال الظاهرة راجع لمعنى الشهادة، وهو أن معنى الشهادة الإظهار -يعني بعد الاعتقاد- الإظهار والإعلام والإخبار، وهنا يأتي الاعتقاد؛ اعتقاد الشهادتين يرجع إليه؛ لأنه في معنى شَهِدَ، يرجع إليه أركان الإيمان جميعًا.
ولهذا نقول الإسلام هو الأعمال الظاهرة، ولا يصح إلا بقدر مصحِّحٍ له من الإيمان، وهو الإيمان الواجب بالأركان الستة؛ فالإيمان الواجب يعني أقل قدر من الإيمان به يصبح المرء مسلمًا، هذا مشمول في قوله ( أن تَشْهَدَ أَن لا إلَهَ إلاَّ الله )؛ لأن الشهادة معناها الاعتقاد والنطق والإخبار والإعلام، تشمل ثلاثة الأمور هذه، فالاعتقاد يرجع إليه أركان الإيمان الستة.
فنخلص من هذا إلى أنّ الإسلام -وإن قال أهل العلم فيه: إن المراد به هنا الأعمال الظاهرة- فإنه لا يصح الإسلام إلا بقدر من الإيمان مصحح له، وهذا القدر من الإيمان دلنا على اشتراطه لفظ ( أن تَشْهَدَ) لأن لفظ الشهادة في اللغة والشرع متعلق بالباطن والظاهر.
والاعتقاد في الشهادتين بـ ( أنْ لا إلَهَ إلاَّ الله )، هذا هو الإيمان بالله، وب( أَنَّ مُحَمَدََا رَسُولُ الله ) يرجع إليه الإيمان بالنبي وبما أخبر به عليه الصلاة والسلام من الإيمان بالملائكة، والكتب، والرسل، والإيمان باليوم الآخر، والقدر خيره وشره.
الإيمان فسّره النبي لجبريل بالاعتقادات الباطنة، وهذا الفرق بين المقامين لأجل وردوهما في حديث واحد، فالإسلام إذا اقترن مع الإيمان رجع الإسلام إلى الأعمال الظاهرة ومنها الشهادتان، ورجع الإيمان إلى الأعمال الباطنة. وإذا أُفرد الإسلام فإنه يراد به الدين كله، وهو الذي منه قسم الإسلام هذا، وإذا أُفرد الإيمان فإنه يراد به الدين كله بما فيه الأعمال، ولهذا أجمع السلف والأئمة على أن الإيمان قول وعمل واعتقاد، وعلى أن الإيمان قول وعمل؛وهذا هو الذي عليه عامة أهل العلم من أهل السنة والجماعة في أنّ الإسلام غير الإيمان، وأن الإيمان إذا جاء مستقلاً عن الإسلام فإنه يُعنى به الدين كله؛ يعنى به الإسلام والإيمان والإحسان.
من أهل العلم من السلف أيضًا، من رأى أن الإسلام والإيمان واحد، وهذا كما ذكرت لك غير صحيح، ومنهم أيضًا رأى أن الإسلام والإيمان يختلفان ولو تفرقا أيضًا، ولكن الصحيح أن الإسلام إذا اجتمع مع الإيمان صار الإسلام كما ذكرت لكم للأعمال الظاهرة والإيمان للاعتقادات الباطنة، كما دلّ عليه حديث جبريل هذا.
فالإيمان عند أهل السنة والجماعة يزيد وينقص مع أنه متعلق بالاعتقادات الباطنة، والإسلام عند أهل السنة والجماعة لا يطلقون العبارة بأنه يزيد وينقص مع أنه متعلق بالعمل الظاهر، فكيف يكون هذا ؟

والجواب عن هذا الإشكال :
أن الإيمان إذا أريد به عامة أمور الدين، كما جاء في حديث مثلاً وفد عبد القيس حيث قال لهم عليه الصلاة والسلام « آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ » ثم ذكر أمور الإيمان، وقال « أن تؤدوا الخُمُس من المغنم » وهذا نوع من الأعمال. فإذًا الأعمال باتفاق السلف داخلة -يعني من أهل السّنة- داخلة في مسمّى الإيمان، وإذا كان كذلك، فإذا قالوا الإيمان يزيد وينقص، فإنه يرجع في هذه الزيادة إلى الاعتقاد ويرجع إلى الأعمال الظاهرة، وهذا يعني أنّ الإسلام يزيد وينقص؛ لأنّ الإيمان الذي يزيد وينقص إيمان القلب وإيمان الجوارح، وإيمان القلب اعتقاده بقوة إيمانه بالله وملائكته وكتبه ورسله، هذا الناس ليسوا فيه سواء بل يختلفون؛ منهم من إيمانه كأمثال الجبال، ومنهم من هو أقل من ذلك، وهو يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، والأعمال الظاهرة التي هي من الإيمان تزيد أيضًا وتنقص، فكلما زادت زاد إيمان العبد، وكلما نقصت نقص إيمان العبد، وينقص الإيمان بالمعصية أيضًا، ويزيد بترك المعصية.
بعض أهل العلم أيضا يقولون الإسلام أيضًا يزيد وينقص، على اعتبار أن الإسلام هو الإيمان في دلالته على الاعتقاد والعمل، أو في دلالته على الأعمال الظاهرة، فإن الأعمال الظاهرة أيضًا يزيد معها الإسلام ويزيد معها الإيمان، كيف يزيد معها الإسلام؟ لأن الإسلام استسلام. ما الإسلام؟ الإسلام هو الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله. فالإسلام فيه استسلام لله بالتوحيد، وهذا تدخل فيه الشهادتان، فهذا إذًا يزيد الناس فيه وينقص استسلامهم لله بالتوحيد مختلف يتفاوتون فيه، والانقياد بالطاعة أيضًا يتفاوتون فيه.
إذًا من أطلق هذا القول فلا يغلط، وقد أطلقه مرة شيخ الإسلام ابن تيمية؛ ولكن القول المعتمد عند السلف أنهم يعبرون في الزيادة والنقصان عن الإيمان دون الإسلام؛ لأن في ذلك مخالفة للمرجئة الذين يجعلون الإيمانَ الناسُ في أصله سواء، يعني في اعتقاد القلب، وإنما يتفاوت الناس عندهم بالأعمال الظاهرة.
7.« صَدَقْتَ ».
يعني في جوابه عن مسألة الإسلام، وهذا فيه عجب أن يسأل ويُصدِّق، وهذا فيه لفت الانتباه؛ انتباه الصحابة إلى هذه المسائل، كيف يسأل ويصدق؟ فالمتعلم إذا أتى بأسلوب في السؤال يلفت النظر ليستفيد البقية مع علم المسؤول، فإنّ هذا حسن ليستفيد منه الآخرون؛ لأن النبي يعرف أن هذا جبريل، وتصديقه له دال على هذا بوضوح. ففي هذا أن المتعلم يأتي للعالم بمعرفته بما يسأل لإفادة غيره، وأن هذا أسلوب حسن من أساليب التعليم الشرعية.
( قال فعجبنا له يسأله ويُصَدِّقُه! قال « فأخبرني عن الإيمان »، قال « أنْ تُؤْمِنَ بِالله وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُِلهِ وَاليَوْمِ الآخِرْ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرَّهِ » ) ذكر أركان الإيمان الستة، وهذه الأركان جاءت في القرآن أيضًا، منها خمسة؛ المتتابعة، جاءت في قول الله جل وعلا (ءامن الرسول بما أنرل اليه من ربه ...) [البقرة:285] هذه أربعة. وقوله(... ولكن البر من ءامن...) [البقرة:177]
وكما في قوله(ياايها الذين ءامنوا...) [النساء:136]،
وفي القدر جاء قوله جل وعلا (انا كل شيئ خلقناه بقدر)[القمر:49]
يعني أن أصول هذه الأركان جاءت أيضًا في القرآن.
– أركان الإيمان و أركان الإسلام :
وهذه الأركان الستة هي التي عُبر عنها بأركان الإيمان، والخمسة التي قبلها بأركان الإسلام.
أركان الإيمان، ما معنى كونها أركانا؟ نلحظ مسألة مهمة ينبغي لكم أن تنتبهوا لها: أن لفظ أركان الإسلام، ولفظ أركان الإيمان لم يرد في شيء من النصوص؛ لم يرد أن للإيمان أركانا، ولا أن للإسلام أركانا، وإنما عبر العلماء بلفظ الركن اجتهادًا من عندهم. وإذا كان كذلك فينبغي أن تُفهم النصوص على ضوء هذا الأصل، وهو أن التعبير عن هذه بالأركان إنما هو فهم لأهل العلم في أن هذه هي الأركان -وفهمهم صحيح بلا شك- لأن الركن هو ما تقوم عليه ماهية الشيء؛ فالشيء لا يُتصور قيامه إلا بوجود أركانه، فمعنى ذلك أنه إذا تخلف ركن من الأركان ما قام البناء، فإذا تخلّف الإيمان بالقدر ما قام بناء الإيمان أصلاً، إذا تخلف ركن الإيمان باليوم الآخر ما قام البناء؛ لأن الركن في التعريف الاصطلاحي هو ما تقوم عليه ماهية الشيء، فإذا تخلف ركن لم يقم الشيء أصلا، يعني لم يقم الشيء وجودا شرعيًّا؛ لأن قيامه مبني على تكامل أركانه.
فينبغي أن نفهم في مسائل الإيمان والإسلام والتكفير وما يتعلق بها أن العلماء أتوا بألفاظ للإفهام، فهذه الألفاظ التي للإفهام لا تُحكَّم على النصوص، وإنما النصوص التي تُحكّم على ما أتى العلماء به من اصطلاحات. فإذًا نقول يمكن أن يسمى الانسان غيره مسلمًا ولو تخلف عنه بعض أركان الإسلام، ولا يصح أن يسمى مؤمنًا إن تخلف عنه ركن من أركان الإيمان.
إذا تقرّر هذا فأركان الإيمان الستة هذه فيها قدر واجب لا يصح إسلام بدونه؛ قدر واجب على كل مكلف، من لم يأت به فليس بمؤمن، وهناك قدر زائد على هذا تبعا للعلم، أو تبعا لما يصله من الدليل.

• أما الإيمان بالله فهو ثلاثة أقسام :
1. إيمان بالله بأنه واحد في ربوبيته.
2. وإيمان بالله بأنه واحد في ألوهيته؛ يعني في استحقاقه العبادة.
3. وإيمان بالله يعني بأنه واحد في أسمائه وصفاته لا مثيل له سبحانه (...ليس كمثله شىء وهو السميع البصير)[الشورى:11].
• فما هو القدر المجزئ وهو الذي من لم يأتِ به صار كافرًا ؟
فهذا هناك قدر مجزئ في الإيمان بالله، قدر مجزئ في الإيمان بالرسل، قدر مجزئ في الإيمان بالكتب، وقدر مجزئ في الإيمان باليوم الآخر والقدر، إلى آخره.
• الإيمان بالله:
1. القدر المجزئ من الأول أن يعتقد أن الله جل جلاله هو ربّ هذا الوجود، يعني أنه هو الخالق له، المدبر له، المتصرف فيه؛ خالق له، مدبر له، ومتصرف فيه كيف يشاء، هذه الربوبية.
2. والثالث: أن يؤمن بأن الله جل وعلا له الأسماء الحسنى والصفات العلا دون تمثيل لها بصفات المخلوقين، ودون تعطيل له عن أسمائه وصفاته بالكلية، أو جحد لشيء من أسمائه وصفاته بعد وضوح الحجة فيها له.
هذا القدر المجزئ من الإيمان بالله.
• الإيمان بالملائكة:
القدر المجزئ أن يؤمن بأن الله جل وعلا له خلق من خلقه اسمهم الملائكة، عباد يأتمرون بأمر الله جل وعلا، مربوبون لا يستحقون شيئًا، وأن منهم من يأتِ بالوحي للأنبياء، هذا القدر هو الواجب.
فإذا قال: لا أنا أنكر وجود ملائكة و لكننى ما رأيت أحد منهم. فهذا انتفى عنه هذا الركن وهو الإيمان بالملائكة؛ لكن لو قال: أنا ما أعلم ميكال هذا.
فإنه لا يقدح في إيمانه بالملائكة؛ لأنه يقول: أنا مؤمن بوجود هذا الخلق من خلق الله جل وعلا و ملائكته؛ لكن ميكال أنا لا أعرفه.

• الإيمان بالكتب:
القدر المجزئ منها أن يعلم؛ أن يعتقد الاعتقاد الجازم الذي لا شك فيه بأن الله جل وعلا أنزل على من شاء من رسله كتباً، هي كلامه جل وعلا وأن منها القرآن الذي هو كلامه جل وعلا هذا هو القدر المجزئ من ذلك. وما بعد ذلك أن يؤمن بالتوراة؛ قد يقول: أنا لا أعرف التوراة، فإذا عُرِّف وجب عليه، وهكذا في تفاصيل ذلك.
• ورسله:
الإيمان - وهو الاعتقاد الجازم الذي لا ريب فيه، ولا تردد- بأن الله جل وعلا أرسل رسلاً لخلقه، وأن هؤلاء الرسل موحى إليهم من الله جل وعلا، وأن خاتمهم محمد عليه الصلاة والسلام فيؤمن به عليه الصلاة والسلام ويتبعه، فهذا هو القدر المجزئ، وما بعد ذلك أيضا يكون واجبا بقدر ما يصله من العلم، وفيها أشياء أيضاً مستحبة.
• واليوم الآخر:
القدر المجزئ منه الذي يتحقق به قيام الركن أن يؤمن بأن الله جل وعلا جعل يوماً يحاسب فيه الناس، يعودون إليه ويبعثهم من قبورهم ويلقون ربهم ويجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، وأن المحسن يدخل الجنة وأن المسيء يعني الكافر يدخل النار، وأن المسلم يدخل الجنة، هذا القدر واجب؛ ركن، وما بعد ذلك يكون بحسب العلم.
• والقَدَر:
يؤمن بالقدر خيره وشره من الله تعالى؛ بأن يؤمن -هذا هو القدْر المجزئ- بأنه ما من شيء يكون إلا وقد قدَّره الله جل وعلا؛ بمعنى أنه سبحانه علِم هذا الشيء قبل وقوعه، وعِلْمُه بذلك أوَّل، وأنه كتب ذلك عنده سبحانه وتعالى، ويغني عن اعتقاده الكتابة قبل العلم بدليلها أن يؤمن بالقدَر السابق
و من هنا نخلص بأن لكل ركن من أركان الايمان قدر مجزىْ لابد أن يؤمن الانسان به و هناك قدر كامل.



(الحديث الثالث)
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات اعمالنا ، إنه من يهدي الله فلا مظلّ له ومن يظلل فلا هادي له وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد .
ثم أما بعد ،
فهذا هو الدرس الخامس من دروس الحديث وهذا هو الحديث الثالث من شرح الأربعين النووية وهذا الحديث عنون عليه بعض العلماء وقال : "بني الإسلام على خمس" و هو جزء من الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب – رضي الله عنهما- قال : سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم - يقول : " بني الإسلام على خمس : شهادة ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وحج البيت ، وصوم رمضان "
هذا الحديث نقف معه بعض الوقفات :
أولا : المعنى الإجمالي لهذا الحديث:
• فإن هذا الحديث فيه ذكر دعائم الإسلام ومبانيه العظام وهي الخمس المعروفة : الشهادة ، والصلاة ، و الزكاة ،والصيام ، والحج
• وهذا الحديث استدل به على أن أركان الإسلام خمس. وهذا صحيح لأن قول النبي صلى الله عليه وسلم بني الإسلام على خمس، يدل على أن البناء يقوم على هذه الخمس وغير هذي الخمس مكملات للبناء. ومعلوم أن البناء هو الذي يحسن السكنى فيه ويكون العبد فيه سعيدا إذا كان تاما كلما كان أتم كان العبد أسعد. والإسلام إذا جاء العبد بمبانيه الخمس، فقد حقق الإسلام وكان له عند الله عهد أن يدخله الجنة .

ثانيا:شرح الحديث :
يقول النبي صلى الله عليه وسلم " بني الإسلام على خمس " :
1. كلمة " بني "
يقتضي أن هناك من بناه على هذه الخمس، فلم يذكر الباني على هذه الخمس، والمقصود بالباني هنا الشارع الذي بنى الإسلام على هذه الخمس هو الله جل وعلا و ثم النبي صلى الله عليه وسلم الذي بلغ عن ربه، وليس هو مشرع على جهة الاستقلال وإنما هو عليه الصلاة والسلام مبلغ ومشرع على جهة التبليغ على الصحيح من أقوال أهل العلم أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر لنا هنا أن الإسلام بني على خمس .
2. كلمة "الإسلام"
• كلمة الإسلام هنا يقصد بها الدين لأن الدين هو الإسلام كما قال الله سبحانه وتعالى( ان الدين عند الله الاسلام ...) ] سورة آل عمران: 19[ والمقصود بالإسلام هنا الإسلام الخاص، لأن كلمة الإسلام عندما تطلق في القرآن أو السنة لها إطلاق عام، لأنه ما من شيء من المخلوقات إلا وهو مسلم اضطراري يعني أنه لا يستطيع أن يفعل إلا ما أمر الله عز وجل به قدرا كما قال سبحانه وتعالى(... وله أسلم من في السماوات الارض)] سورة آل عمران: 83[.يعني ما نوع إسلامه، إسلام اضطرار بمعنى أنه لن يتحرك ولن يسكن إلا بأمر من الله سبحانه وتعالى.
• الكافر، هل الكافر يستطيع أن يتحرك و يذهب ويجيئ ويأكل ويشرب دون أن يأمر الله عز وجل بذلك ؟ فهذا معنى أن جوارحه قد أسلمت، بمعنى أنها لا تستطيع أن تتحرك إلا أن يأذن الله عز وجل لها. قلبه لا يستطيع أن ينبض إلا أن يأذن الله عز وجل له.
• أما الإطلاق الثاني لكلمة الإسلام وهو الإسلام الاختياري وهو المراد هنا في الحديث كما قال الله عز وجل (أفغير دين الله يبغون...) ] سورة آل عمران: 83[.هذه الاية في الإسلام العام وهو الذي أمر به كل المرسلين من الله سبحانه وتعالى . أما في الإسلام الخاص فهو قوله تعالى (ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه...) ] سورة آل عمران: 85[.وهو الإسلام الاختياري. والإسلام الخاص هو الذي أمر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم فالإسلام الذي لن يقبل الله غيره من المكلفين هو الإسلام الخاص، وهو المقصود بقوله بني الإسلام يعني الإسلام الذي جاء به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. أما الإسلام الذي بعث به النبيون والمرسلون فهو من حيث العقيدة والتوحيد كالإسلام الذي بعث به محمد صلى الله عليه وسلم، أما من حيث الفروع والشرائع فهو ليس كشريعتنا. وقد جاء في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الأنبياء أخوة لعلاتهم الدين واحد والشرائع شتى " يعني النبي صلى الله عليه وسلم يضرب مثل لاختلاف الشرائع والأنبياء مع أن دينهم واحد بالرجل الذي تزوج أكثر من امرأة فأبناؤه يكونون إخوة لأب مع أن أمهاتهم مختلفة فلا نتصور من هذا عندما يقول " بني الإسلام " إسلام كل الأنبياء، لأن كل الأنبياء كما قال الشارح أن كل الأنبياء ليس عندهم كيفية الصلاة على هذا النحو أو إيتاء الزكاة على هذا النحو أو صيام رمضان فهذا بقيوده مما اختص به هذه الأمة.
3. قول النبي صلى الله عليه وسلم " شهادة ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله "
كلمة شهادة تعرب على وجهين :
1. أن تكون بدلا من كلمة خمس فتكون مجرورة وهذا البدل هو بدل البعض من كل ، فالكل هو خمس والبعض هي الشهادة ، فالخمس تشمل الشهادة والصلاة والصوم والزكاة والحج و لكن الشهادة وحدها هي بعض من كلمة خمس.
2. ويجوز أن نقول شهادة بالضم على أنها كلمة مستأنفة فنقول " على خمس ، شهادة ألا إله إلا الله " كما قال تعالى " .. ضرب الله مثلا رجلين .." أحدُهما ولا أحدِهما ؟ أحدُهما يعني الكلمة استأنفت شرب الله مثلا ثم قال أحدهما يعني الكلمة استأنفت وعلى كلا الإعرابين فكلاهما جائز إما على الخفض والبدل أو على الرفع والاستئناف .

• أما معنى كلمة الشهادة فالمراد بها أنها من شهِد يشهَد شُهودا وشَهادة، إذا علم بقلبه وأخبر بلسانه وأعلم به غيره. كالشاهد عند القاضي فإنه يرى ذلك بعينيه ويعقله قلبه ويشهد به ويخبر به القاضي ولا يكون شاهدا إلا إذا أخبر به القاضي. كذلك قوله أشهد ألا إله إلا الله يعني أنه لابد ان يكون عالما بها وينطق بذلك لسانه ويعلم غيره بها وكل شهادة هي بهذا المعنى .

• "شهادة أن" أن هذه تسمى تفسيرية وضابط "أن التفسيرية" أنها تأتي بعد كلمة لها معنى القول دون حروف القول. يعني مثلا أن تقول أو قال أو قول أو قال لا إله إلا الله ولكن يقول أن تشهد فيها معنى القول وليس فيها حروفه وقد يجوز أن تكون مخففة من الثقيلة يعني نقول " ألا إله إلا الله " ويجوز أن تقول " أنّ لا إله إلا الله ".

• أما معنى قوله " لا إله إلا الله " فهي نفي وإثبات ينفي الإلوهية والعبادة عن كل الآلهة سوى الله سبحانه وتعالى وأنه لا معبود بحق إلا الله سبحانه وتعالى .

• وأن محمدا رسول الله : يعني أنه يشهد أن الرسول محمد بن عبد الله القرشي المكي رسول من عند الله حقا. وأنه نزل عليه الوحي فأخبره بما تكلم الله عز وجل به، وأنه إنما يبلغ عن الله. وهذا واضح من كلمة رسول، لأن الرسول مبلغ والرسل البشريون مبلغون فالرسول يأخذ من الله جل وعلا ويبلغ للناس ما أخذه عن الله عز وجل. ومعلوم أن الرسل من البشر عليهم الصلاة والسلام لم يجعل الله لهم خاصية أن يأخذوا الوحي منه مباشرة وأن يسمعوا الكلام منه- يعني عامة الوحي- وقد يسمعون بما أذن الله سبحانه وتعالى لهم ببعض الرسل بل ملك رسول يلقي الخبر على هذا الرسول البشري ، إن اعتقاد أن محمدا رسول هو اعتقاد أنه مبلِّغ و مبلَّغ فإنه مبلَّغ من قِبل الوحي ومبلِّغ لأنه هو رسول الله.

ومقتضى هذه الشهادة بعد أن تشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله هو أن تطيع الله عز وجل وتطيع رسوله صلى الله عليه وسلم وتصدقه فيما أخبر وأن تجتنب ما نهى عنه و زجر وألا يعبد الله عز وجل إلا بما شرع رسوله صلى الله عليه وآله وسلم .
4. قول النبي صلى الله عليه وسلم : " وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت "

• إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت هذا ما جاء لفظ القرآن. ثم نجد أن العلماء يقولون أن هذه هي الأركان، وكلمة أركان لفظ حادث ليس في الحديث. لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال "بني" ولم يقل أركان الإسلام خمس . وجاء هذا اللفظ أو هذا التعبير الحادث بمصطلح أركان الإسلام لأنهم قالوا أن الركن هو ما تقوم عليه ماهية الشيء، فإذا كان الإسلام يقوم على هذه الأشياء فهي أركانه.
• ولكن يرد على كلمة " أركان " أن هناك بعض هذه الأعمال لا يهدم الإسلام بها فقد اتفق العلماء على أن من لا يقول " ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله" وألا معبود بحق سواه تعالى ولا ينطق هذه الكلمة مع القدرة والاستطاعة لا يكون مسلما. لابد من النطق بالكلمة " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ". وأمر الصلاة مُختلف فيه وسيأتي الكلام على مسألة ترك الصلاة. أما إيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت فقد اختلف العلماء فيمن تركهم بغير جحود، والصحيح هو قول الجمهور بأنه لا يكفر بذلك، وهذه أيضا سنتكلم عنها. فهذا معناه أن من ترك الصوم وترك الزكاة وترك الحج مع القدرة ومع الاستطاعة ومع عدم الإكراه وأنه يستطيع أن يأتي هذه الأشياء ولم يجحد وجوب هذه الأشياء ، عليه إثم وهو مرتكب لكبيرة من الكبائر فقد ترك الصيام الواجب ومع ذلك لا يخرج من دين الإسلام. فالحاصل أنه يستدرك على كلمة أركان والأولى أن نعبر بما عبر به النبي صلى الله عليه وسلم " بني الإسلام على خمس .

و قول :"إقام الصلاة "
الصلاة اختلفوا فيها أهل السنة هل ترك الصلاة تهاونا وكسلا يسلب عن الإنسان الإسلام أم لا؟
• فقد أجمع علماء المسلمين على أن من ترك الصلاة جحودا وإنكارا بها كَفَر وخَرج من ملة الإسلام. واختلفوا في حكم من تركها تكاسلا وتشاغلا عنها دون عذر يُعتد به مع اعتقاده بفرضيتها، فمن العلماء من قال أنه يَكفر ومن الصحابة الذين رأوا ذلك عمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف ومعاذ بن جبل وأبي هريرة وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وجابر وأبي الدرداء وكثير من الصحابة رضي الله عنهم، حتى أنه قد نقل بعض العلماء كما ذكر الشارح أن جمهور أهل السنة على ذلك، وأن من تركها تهاونا وكسلا كفر. وأن من ترك الصلاة فليس له إسلام ولو أتي بتأدية الصيام والزكاة والحج ولكنه لم يصل فإنه لا يكون مسلما، والصحابة أجمعوا على أن الأعمال جميعا المأمور بها تركها ليس بكفر إلا الصلاة ، كما قال شقيق بن عبد الله كما رواه الترمذي وغيره كانوا" الصحابة" لايرون من الأعمال شيئا تركه كفر إلا الصلاة، والصلاة يجمع على أن تركها كفر.
• واستدل عليه :
 قول الله عز وجل (ما سلككم في سقر* قالوا لم نك من المصلين)]سورة المدثر: 42-43[
 وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم" بين الرجل وبين الشرك أو قال الكفر ترك الصلاة "
 وفي السنن الأربعة ومسلم بإسناد صحيح من حديث بريدة رضي الله عنه مرفوعا " العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر "

هناك فائدة جميلة ذكرها الشارح فقال أن كلمة الكفر إذا جاءت معرفة فإنه يعني الكفر الأكبر وأنه يعني الاستغراق في كل أنواع الكفر، وأن كلمة كفر فقط دون تعريف فإنها تعني الكفر الأصغر. فعندما جاءت الأحاديث في كفر تارك الصلاة فقد قال " العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر " وفي حديث آخر " بين الرجل وبين الشرك أو قال الكفر ترك الصلاة " دل على أن ترك الصلاة كفر أكبر يخرج من الملة حتى ولو كان ذلك استخفافا .
– فهل نستطيع أن نكفر أعيان من ترك الصلاة ؟؟!!
الجواب أنه لا يصح لابد من تكفير المعين تحقق الشروط وانتفاء الموانع فقد يكون تاركا للصلاة ولا يكفر بذلك لماذا ؟ قد يكون جاهلا بأن الصلاة قد فُرضت أمر وارد ، جاهل بأن الله عز وجل قد فرضها في هذا الوقت يظن أنه يجوز له أن يؤخرها عن وقتها، لكل ذلك لا نستطيع أن نقول يكفر بذلك، فلابد من تحقق الشروط وانتفاء الموانع من أجل أن يكون هذا الرجل كافرا بتركه الصلاة، فليس كل من تركها يكفر إنما الفعل هو فعل الكفر وليس كل من فعل الفعل يكفر به.
أما من ترك باقي الأركان فإن العلماء قد اختلفوا في ذلك والراجح أنه لا يكفر لعدم وجود دليل صريح صحيح يثبت الكفر فمن ترك الحج أو الصيام أو الزكاة.



الحديثان الخامس و السادس
(الحديث الخامس)

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، إنه من يهدي الله فلا مضلّ له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.

اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
ثم أما بعد ،

نأخذ في هذه المحاضرة بإذن الله عز وجل حديثين، أولهما: حديث (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)، وهذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم، من حديث أم المؤمنين أم عبد الله عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)، وفي رواية مسلم: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد)

أولا : المعنى الإجمالي لهذا الحديث
وهذا الحديث له قدر عظيم، فهذا الحديث عظيم جدا، وعظَّمه العلماء، وقالوا إن أصل هذا الحديث هو رد على كل المحدثات والبدع، فإن هذا الحديث أصلٌ في رد كل المحدثات والبدع والأوضاع المخالفة للشريعة، فهو أصل في رد البدع في العبادات، وفي رد البدع في المعاملات، وفي رد الأوضاع المحدثة التي تخالف شريعة الرحمن سبحانه وتعالى، لذلك فإنه ينبغي على طالب العلم اتجاه هذا الحديث أن يتعلمه وأن يجعله أصلا له في رد محدثات الأمور.


ثانيا:شرح الحديث
1. فقال صلى الله عليه وسلم: (من أحدث في أمرنا)
"من" هنا هي الشرطية (من أحدث في أمرنا هذا)، وجواب الشرط (فهو رد)، فإنّ هذا العمل يكون مردودا إذا توفر فيه شرط الحدث والإحداث. والإحداث: هو كل ما لم يكن على وفق شريعة الرحمن سبحانه وتعالى، وكل ما كان على خلاف ما جاء به المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم.
(من أحدث في أمرنا) : والأمر هنا هو الدين، كما قال سبحانه: (فليحذر الذين يخالفون...) ]النور: 63[ ، يعني يخالفون دينه، فمن أحدث في الدين ما ليس منه فهو مردود عليه.
2. وقوله صلى الله عليه وسلم: ( ما ليس منه)
لأنه قد يُحدث شيئا في غير الدين فلا يكون بدعة. ولكن البدعة هو أن يكون في الدين، يعني أن هذه البدعة لن تكون سرقة مثلا، فإن السرقة حرام، هذه البدعة لن تكون في أمر من أمور الدنيا، ولكنها تكون أمرا في أمور الدين. البدعة تكون قراءة للقرآن، البدعة تكون صلاة، البدعة تكون صيام. وهذا ما ينبغي علينا أن نتنبه إليه، أن البدعة لا تكون فعل محرم إنما تكون أكبر من ذلك، وهو أن يبتدع في الدين بمعنى أنه يحدث شيئا في الدين، يخترع شيئا في الدين، يزعم أن هذا أمر الله به والله عز وجل لم يأمر به.
إذا فالبدعة ستكون قراءة قرآن ولكنها بدعة كيف ذلك؟
تكون قراءة القرآن والصلاة بدعة إذا كانت على غير هدي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
(ما ليس منه) يعني: ما ليس من الدين، وهذا ما معناه أنه سينسبه إلى الدين، فهو رد يعني مردود عليه كما قال علماء اللغة: أن الشيء الرد يعني المردود ففعل بمعنى مفعول.
من عمل عملا وهذا العمل، يرجع إلى الأقوال والأعمال والاعتقادات، فالعمل ليس المقصود منه عمل الجوارح فقط، ولكن الأعمال يقصد بها: الاعتقاد ويقصد بها القول، ويدل على ذلك قول الله سبحانه: (والله خلقكم وم تعملون) [الصافات:96].
إذا قال قائل: أن المراد بما تعملون أن الله خلق ما نعمل، هل هذا معناه أن الله لم يخلق كلامنا ؟ لم يخلق اعتقادنا ؟ لم يخلق جوارحنا وما تفعله الجوارح؟
إذا (والله خلقكم وم تعملون) يعني: ما نقوله وما نعتقد، لأن هذا من خلق الله عز وجل، وسـمَّاه الله عملا، إذا ( من عمل عملا ) يعني اعتقد اعتقادا أو قال قولا أو فعل شيئا بجوارحه يزعُم أنها من الدين أو تشبه شيئا في الدين ولم يكن عليه هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو مردود، يعني أنه غير مقبول ولن يستفيد به يوم القيامة.
فنستفيد من قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( من عمل عملا ليس عليه من أمرنا فهو رد ) عدة أمور:
• أولها : إبطال كل المحدثات وإبطال كل البدع وذم ذلك، وأنها مردودة على صاحبها.
• كذلك هذا الحديث يذكرنا بأن هذا الحديث أصل في رد البدع في الدين والمحدثات في الدين.
• كذلك لا بد أن نعلم أن ارتكاب البدع هي كبيرة من الكبائر وقد تصل إلى الكفر، فالبدع منها ما هي كفرية، ومنها ما هي ليست بكفر، كما سيأتي معنا في المحاضرة التي بعد هذه المحاضرة في محاضرة التبرك.
• كذلك لا بد أن نعلم ما المراد بالبدع وما المراد بالمحدثات، البدع والمحدثات تنقسم إلى قسمين : بدع لغوية وبدع شرعية، أما البدع والمحدثات اللغوية: هو كل ما كان أُحدث سواء كان في الدين أو لم يكن في الدين، وإذا لم يكن في الدين فإن هذا معناه فإنه لا يدخل في هذا الحديث، فإن الذي يدخل في هذا الحديث هي البدع التي في الدين ولهذا
قسم بعض العلماء المحدثات إلى قسمين:
 محدثات ليست في الدين وهذه لا تُذَم.
 ومحدثات في الدين وهذه تذم.
مثل المحدثات التي ليست من الدين مثل ذلك مثلا: إذا غير في طرقات المدينة فهذا ليس من الدين. حدث توسع في الطرقات فهذا ليس من الدين. تجصيص البيوت وارتفاع البيوت هذا ليس من الدين. لا نستطيع أن نقول أن توسيع الطرقات والبناء وارتفاع البناء هذا من البدع لأن ليس له علاقة. فهذه ليست من أمور الدين فلا تدخل في هذا الحديث.
ولكن الذي يدخل في هذا الحديث هي الأمور التي في الدين، وقد أرشدنا الله عز وجل إلى ذم البدع وكذلك رسولنا صلى الله عليه وسلم، وهنالك أحاديث وآيات كثيرة تدل على ذم هذه البدع والمحدثات منها ما أخبر الله عز وجل عنه كما في سورة الشورى:( أم لهم ...) ] الشورى:21[، فسماهم شركاء لأنهم شرعوا من الدين شيئا لم يأت به محمد عليه الصلاة والسلام، لم يأذن الله به شرعا، وقد قال جل وعلا:( اليوم أكملت لكم دينكم...)] المائدة:3 [.
وقال سبحانه: (ان كنتم تحبون الله...) ]آل عمران:31[، والآيات في هذا المعنى كثيرة.
ويصلح أن يكون منها قوله جل وعلا: (وما ءاتاكم الرسول...) ]الحشر:7[.
وقد جاءت أيضا الأحاديث في ذم البدع والمحدثات كما كان عليه الصلاة والسلام يقول: ( ألا إن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار).
وقد جاء أيضا في السنن من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه أنه قال: (وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم موعظة بليغة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مودع) وفيه قال عليه الصلاة والسلام: ( إنه من يعِشْ منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجد فإن كل محدثة بدعة).
والعلماء سلفا وخلفا أجمعوا على إبطال كل البدع في الدين، فإنهم أجمعوا على إبطالها.
البدعة
فالتعريف المشهور الذي عرفها به الشاطبي رحمه الله في كتاب الاعتصام: أن البدعة هي طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية وليست بشرعية، يقصد بها التقرب إلى الله، فالذي يهمنا في هذا التعريف أكثر من نقطة:
• أولها: أن البدعة مُلتـزَمٌ بها، لأنه قال: طريقة في الدين، والطريقة هي الملتزَم بها يعني أصبحت طريقة، يطرقها الأول والثاني والثالث أو تتكرر فهذه الطريقة يعني ما الـتُـزِم به من هذا الأمر .
• والثاني: أنها مخترعة، يعني أنه هذه الطريقة لم تكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
• والثالث: أن هذه الطريقة تضاهي الطريقة الشرعية، من حيث أن الطريقة الشرعية لها وصف ولها أثر، وكذلك هذه الطريقة المبتدعة لها وصف ولها أثر في الزمان والمكان والعدد.
فيحصل لنا أن خلاصة ما يتصل بتعريف الشاطبي للبدعة يتعلق بثلاثة أشياء:
 أن البدعة يلتزم بها
 أنها مخترعة لم يكن عليها عمل سابق
 الثالث أنها تضاهي الطريقة الشرعية من حيث الزمان والمكان والوصف والأثر.
إذا تقرر ذلك فمن الـمُهِمَّات في معرفة البدعة أن البدعة تكون في الأقوال والأعمال والاعتقادات، كما تقدم معنا، إذا كان القول على غير وصف الشريعة وكذلك الاعتقاد وكذلك العمل.
كذلك إذا تقرر أن البدع مُلتزَم بها في الأقوال والأعمال والاعتقادات، فلا يقال إنه من أخطأ مرة في اعتقاد ولا يلتزم به أنه مبتدع، ولا يدخل فيه من فعل فعلا على خلاف السنة أنه مبتدع، إذا فعله مرة أو مرتين أو نحو ذلك ولم يتلزمه. فوصف الالتزام ضابط مهم كما ذكر ابن تيمية رحمه الله في بعض كلامه، أن ضابط الالتزام مهم في الفرق بين البدعة ومخالفة السنة، فتقول هذا خالف السنة في عمله ولا نقول إنه مبتدع إلا إذا إلتزم مخالفة السنة، وجعل ذلك دينا يلتزم به.
كذلك مما يتصل أيضا بهذا الحديث والكلام عن البدع والمحدثات، أن نتنبه إلى الفرق بين البدعة والمصالح المرسلة، فالمصالح المرسلة تتعلق بالدنيا والبدعة تتعلق بالدين، فالبدعة الـمُـقتضي لفعلها لم يكن على زمن النبي صلى الله عليه وسلم ولم تُـفعل، أما المصلحة المرسلة فلم يَـقُم الـمُـقتضي لفعلها في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ولكن عندما كان المقتضي لفعلها كان موجودا في زماننا فُعلت، وهو الأمور التي تتعلق بالدنيا .
كذلك البدعة تكون في الأقوال والأعمال وفي المعاملات وفي العبادات، فمثلا من أمثلة البدعة في المعاملات: أن يُحَوِّل عقد الربا من كونه عقدا محرما إلى عقد جائز، فهذا تبديل للحكم، أو إحداث لتحليل عقد عليه وقد حرمه الشرع، أو ينقض شرطا من الشروط الشرعية التي دل عليها الدليل فإبطاله لهذا الشرط مُحدَث، فيعود عليه بالرد، أو أن يُحَول مثلا عقوبة الزنا من كونها رجما للمحصن أو الجلد والتغريب لغير المحصن إلى عقوبة مالية فهذا رد على صاحبه. ولو كانت في المعاملات لأنها إحداث في الدين ما ليس منه، وهذا يختلف عن القاعدة المعروفة أن الأصل في العبادات التوقيف والأصل في المعاملات الإباحة وعدم التوقيف، إلا إذا ما دل عليه الدليل.



(الحديث السادس)
الحديث الثاني في هذه المحاضرة وهو الحديث السادس في الأربعين النووية، عن أبي عبد الله النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: ( سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الحلال بَـيِّـن وإن الحرام بَـيِّـن وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمُه ألا وإن في الجسد مُضغة إذا صَلُحَت صَلُحَ الجسد كله وإذا فَسدَت فَسُدَ الجسد كله ألا وهي القلب) والحديث قد رواه البخاري ومسلم.
أولا : المعنى الإجمالي لهذا الحديث
أما قدر هذا الحديث حديث النعمان بن بشير، عده العلماء ثلث الدين أو ربع الدين، فإن الإمام أحمد قال: أحاديث الإسلام تدور على ثلاثة أحاديث: حديث عمر "إنما الأعمال بالنيات"، وحديث عائشة السابق "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"، وحديث النعمان بن بشير. وذلك أن حديث النعمان دل على أن الأشياء منقسمة إلى حلال بَيِّن وإلى حرام بَيِّن وإلى مشتبه فيه. فالحلال البين والحرام البين واضح الحكم، والمشتبه جاء حكمه في هذا الحديث. والحلال يحتاج إلى نية وإلى متابعة وعدم إحداث فيه من أمور العبادات والمعاملات. وكذلك الحرام يحتاج إلى نية في تركه حتى يؤجر عليه إلى آخر ذلك. فصار هذا الحديث ثلث الإسلام.
وأبو داود صاحب السنن جعل الأحاديث أربعة، وزاد عليه حديث "الدين النصيحة". الحديث الذي سيأتي بعد هذا إن شاء الله تعالى.
وهذا يدل على أن الحديث موضعه عظيم في الشريعة، فهو ثلث الدين لمن فهمه. ففيه أن الأحكام ثلاثة: حلال وحرام ومُشْتَبَه فيه. فالحلال بين واضح والحرام بين واضح أما المشتبه فيه فقد عرفه العلماء بتعريفات كثيرة، ولكن أفضل هذه التعريفات هو ما جاء في القرآن. فالله عز وجل جعل الـمُشْتَبِهات أو الـمُتَشابهات في ما يقابل المحكمات، في آية سورة آل عمران كما في قوله جل وعلا: (هو الذي أنزل عليك الكتاب...) ]آل عمران:7[، فدلت الآية على أن المحكم ما كان واضحا بينا، والمتشابه أو المشتبه ما يشتبه علمه على الناظر فيه. وما في الحديث غير ما في الآية، من جهة أن ما في الآية من جهة المعاني، معاني الآيات، لأن الله عز وجل قال:( هو الذي أنزل عليك الكتاب منه ءايات محكمات) فمعنى الآية يشتبه، والحديث من جهة العمل من جهة الحكم على هذه، هل هذه من الحلال أو هي من الحرام ؟ فمن جهة الإشتباه الأمر واحد، أن المشتبه فيما دلت عليه آية آل عمران هو غير الواضح، وهذا نستمسك به في التفسير مشتبه في هذا الحديث. لأن الكلمة إذا اشتبه في معناها أو اختلف العلماء في معناها إرجاعها إلى عرف الشرع في كلامه، يعني إلى ما كان عليه استعمال الشارع في القرآن، فهذا يريحنا من إشكال تفسير الكلمة، فإذا نظرنا في هذه الكلمة "مشتبهات" جعلها بعض العلماء أمانا مباحا مختلط في الحرام أو اختلاف الصحابة أو اختلاف العلماء، والصحيح أن ذلك يكون من المشتبهات إذا لم يتضح لك، أما إذا علمت الراجح بالدليل فلا يكون من المشتبهات ولا يكون من المتشابهات.
ثانيا: شرح الحديث
1. إذا تقرر ذلك فإن المشتبهات لها حالات: ما يتوقف فيه العلماء فهذا مشتبه فيه. كذلك من المشتبهات ما تشتبه على غير العالم، فينبغي عليك أن لا تقع فيه إلا إذا علمت الحكم، فمن المشتبه فيه أنك تجهل حكم هذا الأمر، لا يحل لك أن تفعله إلا إذا سألت فيه لأنك بذلك قد وقعت في المشتبهات، أو وقعت في الشبهات، فإذا فعلت ما تجهله دون أن تسأل فإنك لم تستبرئ لدينك وعرضك وأنك بذلك تكون قد وقعت في الحرام، حتى وإن لم تكن تعلم أنه حرام، لأنه ليس لك عذر في عدم سؤالك. فمن وقع في الشبهات وقع في الحرام، والشبهات هي التي لم تسأل عنها، التي قصرت في معرفتها، فهذا الحديث معناه واضح، والنبي صلى الله عليه وسلم يشبّه هذا الرجل الذي يقع فيما يجهل وأنه قصر في سؤاله فيقول: (كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه)، الراعي يكون معه شيء من الماشية، والماشية من طبيعتها أنها في بعض الأحيان تخرج عن مجموعة الماشية وتذهب بعيدا، فإذا قارب حمى محمية مثلا أرض محمية لصدقة أو محمية في ملك فلان أو ما شابه ذلك، فإن مقاربته بماشيته للحمى لا بد أن يحصل من بعضها منهم ويأخذ من حق غيره، وهذا فيه مثل عظيم في أن حمى الله محارمه، وما هو داخل هذا الحمى هو الدين، وهذه المحارم حمى، فمن قارب فلا بد أن يحصل منه مرة أن يتوسع فيدخل في الحرام، حتى في الأمور التي يكون عنده فيها بعض التردد لا كل التردد، فلهذا مثل عليه الصلاة والسلام بهذا المثال العظيم فقال: (كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه) لأنه قاربه.
2. (ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه)
فحمى الله محارمه بذا يقوى دين المرء، فهذا الحديث واضح الدلالة في أن من قارب الحمى من قارب المحارم من قارب الحرمات فإنه يوشك أن يقع في المحرم من جراء تساهله، نفهم من هذا الحديث أن الحلال البين واضح والحرام البين واضح والمشبهات هي التي لم تتضح لك، فإذا وقعت فيها قبل أن تتضح فإنك بذلك قد وقعت في الحرام .
3. ثم يقول صلى الله عليه وسلم: ( ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب)
فهذا فيه أن صلاح القلب الذي هو معدن الإيمان، يكون التورع، يكون بالتوقف عن الشبهات، يكون بعدم الإقدام على المحرمات، هذا رجع إلى القلب، وهذا معناه أنك لن تقع في شبهة، أو تقع في شهوة، أو تقع في حرام، إلا أن هذا دليل على فساد في قلبك، لأن هذه المضغة إذا صلحت صلح الجسد، فإذا فسدت فسد الجسد. فإذا وجدت في جسدك فسادا، وجدته يرتكب الذنوب، وجدته يرتكب المعاصي، فهذا دليل على فساد القلب. وإذا وجدت هذا الجسد يفعل الطاعة ولا يفعل الذنوب والمعاصي فهذا دليل على صلاح في القلب، وهذا هو معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد).
فكأن سائل يقول عندما يسمع النبي صلى الله عليه وسلم: (كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه) ما الذي يجعلنا لا نقع في المشتبهات ؟وما الذي جعل كثيرا من الناس يقع في المشتبهات؟
فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح سائر الجسد)، فإذا صلح قلبك صلحت جوارحك وإذا فسد قلبك فسدت جوارحك، وهذا فيه أن الإنسان لا بد أن يهتم بعمل القلب من خوف ورجاء، وهذا يكون بتدبر القرآن، وبالتقرب إلى الله عز وجل بالنوافل، وبالخشوع والخضوع والإنابة، فهذا يكون سببا عظيما في صلاح الجوارح وصلاح الاعمال .
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل هذا الكلام حجة لنا لا علينا ونعوذ بالله أن نذكر به وننساه .


والسلام عليكم ورحمة الله
  • 0




0 عضو (أعضاء) يشاهدون هذا الموضوع

0 الأعضاء, 0 الزوار, 0 مجهولين

عدد الزيارات :